قلت للقدس.. وقالت لي (2)

قلت للقدس.. وقالت لي (2)نسيم الهواري

الرأى14-4-2025 | 22:00

قلت لها: على رسلك أيتها الحبيبة، فنحن لسنا صامتين ولا مستسلمين، وإن لي معك حديثا سيجعلك تعيدين النظر فيما تقولين، فاسمعي إذن....

قالت لي: قُل يا بُنَيَّ؛ أسمع..

قلت: تقولين، أيتها الغالية، إننا لا نحرك ساكنًا أمام ما نرى من انتهاك لحُرُماتك واستباحة لمُقدَّساتك؟!

أما ترين أننا مع كل سقوط لشهيد من أبنائك، ومع كل انتهاك لحرمةٍ من حرماتك، ومع كل استباحة لمُقدَّس من مقدساتك، نُعلن - بكل حزمٍ وشجاعة - شجبنا واستنكارنا وإدانتنا لما يحدث؟!

أما ترين ما نعقد من مؤتمرات؟! وما ندعو إليه من مشاورات؟!

أما تسمعين ما تصدح به حناجر فنانينا، وتقدح به أذهان شعرائنا ومؤلفينا من أغنيات؟ كلها تهتف باسمك، وتتغنى بحبك، وتعلن التضحية بالروح في سبيل نصرك؟!

قلت ذلك وقد أخذ صدري يعلو ويهبط من فرط التأثر والانفعال، عازما الاستمرار في حديثي من سوق الحِجج والمعاذير حتى أبلغ من رضاها ما أريد، وحتى يكون تأثرها واقتناعها بحججي أمرٌ أكيد..

ولكني نظرت فرأيتها تنظر إليَّ مشفقةً، لا إشفاق رحمة، ولكنه إشفاق ازدراء، وتربت على كتفي في سخريةٍ واستهزاء، فأُلجمت عن استكمال الحديث، بينما هزت رأسها في تأثر، وزمَّت شفتيها في امتعاض وقالت:

كثيرا ما تملكني العجب.. ذلك العجب الذي يميت القلب ويشغل الفهم ويكثر الأحزان، من تضافر إخوان القردة والخنازير على باطلهم وفشلكم عن حقكم!!

كيف هان عليكم أن تبيعوا المسجد الأقصى وقد صلى به محمد صلى الله عليه وسلم؟!

فتحه عمر، وكبَّر فيه صلاح الدين..

المسجد الأقصى قطعة من أفئدتكم سُلِب منكم يوم ضعفت في قلوبكم لا إله إلا الله..

كيف لا، وقد تملَّككم حب الدنيا وعمَّكم كراهية الموت، فصغرتم وحقرتم؟

كيف لا، وقد تواكلتم وأصبحتم لا تبالون أتكسبون قوتكم من حلال أم من حرام؟

كيف لا، وقد أصبح كل همِّكم أن تستنزفوا أوطانكم دون أن تسعوا إلى بنائها ورفعتها؟

كيف لا وأنتم تمهدون للمنكر، وتترصَّدون للمعروف؟

أمَّا عن شجبكم وتنديدكم واستنكاركم وإدانتكم، فمن علَّمك، أيُّها المسكين، أن هذا يكفي وحده لنصرة المسلمين؟!

فلسطين لا تعود بالكلام ولا بحفلات السلام ولكن بالحسام وبضرب الهام وتمريغ الباطل في الرغام..

وهذا لن يحدث إلا إذا أصلحتم أنفسكم قبل أن تصطفُّوا للقاء عدوكم..

لن يحدث إلا إذا اتقيتم الله في بيوتكم، واتقيتم الله في أعمالكم، واتقيتم الله في أوطانكم.

عَجَبًا لِقَلْبِكَ كَيْفَ لا يَتَفَطَّرُ وأُسُودُ حُزْنِكَ فِي فُؤَادِكَ تَزْأَرُ
عَجَبًا لِعَيْنِكَ كَيْفَ لَاْ تَبْكِي دَمًا والحَقُّ يُسْلَبُ والكَرِامَةُ تُهْدَرُ

أيها الابن المُغَيَّبُ المخدوع، إذا لم تكن هناك حميَّةٌ إسلامية فأين النَّخْوَةُ العربيَّة؟!

بناتُ المسلمين هُنا سَبَايَا وشمسُ المُكْرَماَتِ هُنا تَغيبُ
تَبِيتُ كريمةً بِنتِي وتَصْحُو وقدْ أَلْغَى كرامتَهَا الغريبُ
تُخَبِّئُ وَجْهَهَا يَا ليتَ شِعْرِي بِمَاذَا يَنْطِقُ الوجهُ الكئيبُ
يَمُوتُ الطِّفْلُ فِي أحضانِ أُمٍّ تُهَدْهِدُهُ وقَدْ جَفَّ الحَلِيبُ

تحدثني عن مؤتمراتكم، ومشاوراتكم؟!!
أيها الابن المُغَيَّبُ المخدوع.
إن فلسطين تنادي في قلوب المسلمين ... تناديهم من سنين.. وليس فيهم من قال: لبيك.. جئنا فاتحين.

والله لو سمع عمر صرخة طفل مجهود وأخوه في القيود، وامرأة مسلمة داس كرامتها اليهود؛ لجنَّد الجنود وأحرق اليهود.

ولو سمع المعتصم "يا أماه"؛ لضاقت به أرضه وسماه، حتى يخرج فلسطين من زنزانة الطغاة والبغاة.

ولو سمع صلاح الدين، لعاد يعلن من جديد موقعة حطين، وأخرج من الحبس كل رهين ولهدأ في فلسطين الأنين.

سبحان الله!! أكثر من 2 مليار مسلم يقفون بائسين، أمام من قال الله لهم كونوا قردة خاسئين!!

أيها الابن المُغَيَّبُ المخدوع

أما أحيت قلوبكم الموات آهات الثكالى وصرخات الأيامى؟!

أما انتهت إلى مسامعكم هذه اللوعات والأنَّات؟!


وعَلَى رَصِيفِ الليلِ أشلاءٌ مُمَزَّقَةٌ يَلُوحُ بِها الشقَاء
وهُنَا يدٌ مبتورةٌ وكذَا جماجِمُ أبرياء
ونحيبُ أُمٍّ جالسة تستنطقُ الطِّفلَ القتيلْ

أمَّا ما تصدح به حناجر الفنانين وتقدح به أذهان الشعراء والمؤلفين من أغنيات، فافهم يا بُنيَّ على المكشوف.. لا يحرر فلسطين من يتراقصون على التصفيق بالكفوف، ولا يردُّها لأهلها أهل الدفوف، إنما تعود على أيدي من يصلي ويطوف ويجاهد في الصفوف.

لا عظَّم الله أجر الأفَّاقين، لا عظَّم الله أجر الكذَّابين، أن تبوَّؤُوا من الذِّلة منزلا، ومن العار محلًّا أرذلا، وشكرًا لدموع الفنانين الغالية، شكرًا للمغنين، شكرًا لأصحاب كرة القدم واللاعبين.

أيها الابن المُغَيَّبُ المخدوع:
لو أنكم عملتم عملًا جادًّا، وحوَّلتم عواطفكم برنامجًا عمليًّا، أقله تربية الجيل على الجِدِّيَّة والشعور بالمسئولية والإنتاج والاهتمام بمعالي الأمور لكنتم تحصدون اليوم ثمرة فعلكم.
خَلَتْ دِيَارُكُمُ مِنْ أَبْنَائِهَا النُّجُبِ وَأَقْفَرَتْ مِنْ بَنِي أَبْنَائِهَا الشُّهبِ
طَارَتْ عَلَى الشَّاطِئَ الخَالِي حَمَائِمُهُ وَأَقْلَعَتْ مِنْهُ سُفُنُ الإسلامِ والعربِ
يَا أُختَ أندلسٍ صبرًا وتضحيةً وطولَ صبرٍ على الأرزاءِ والنُّوَبِ
ذهبتِ فِي لُجَّةِ الأيامِ ضائعةً ضياع َأندلسٍ من قبلُ في الحقبِ


قلت لها وقد تصببتُ عرقًا وتَحَسَّسْت لحم وجهي أن يكون قد تساقط حياءً منها:
على رسلك أيتها الحبيبة الغالية.. على رسلك، إن الأمر... إن الأمر ليس بحقيقته على ما تظنين.. إنني.. إنني لديَّ أقوالٌ أُخرى سأعرضها عليكِ؛ عسى أن نكون بها قد بلغنا من لدنك عذرا...

قالت لي باسمة: قُل يا بُنَيَّ؛ أَسمَع....


أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان