قلت للقدسِ .. وقالت لي (1)

قلت للقدسِ .. وقالت لي (1)نسيم الهواري

الرأى6-4-2025 | 14:07

بعد يوم شاق مُضن من العمل والسفر وقد انقضى نصف الليل الأول دون أن تنقضي رحلة عودتي المُرهقة المجهدة إلى قريتي، وبدت النجوم كأنها قطيعٌ مُشَرَّدٌ غفل عنه راعيه، فتفرقت في أرجاء السماء، تحاول إرسال أشعتها المتنازعة الضعيفة على استحياء، مستسلمة لقطع الليل المُظلم الذي استبدت جحافله بالكون حتى بدا ظلامه وكأنه يُصَبُّ على الأرض من القبة الخضراء، فشعرتُ بأنني غارق في ظلماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، إذا أخرجت يدي لم أكد أراها، وأيقنت أن أملي في انقضاء تلك الظلمات يشبه أمل باسط كفَّيْهِ إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه..

وعلى أية حال فقد وصلت إلى منزلي، وأديت – بالكاد من فرط تعبي - فريضة ربي، واستلقيتُ في فراشي، راجيا أن ينتصر جسدي المُنهَكُ المكدود على روحي الأَرِقَةِ الحزينة فيغلِب جَهده وتعبه أَرقها وهمها ويأخذني ويأخذها إلى مُستنقع السبات العميق.

وما أن بدأت الاستسلام لسلطان الكرى وقد أرخى الظلام سُدُولَهُ على كل شيء حولي، وإذا بنورٍ نديٍّ يغمرني وأنا بين اليقظة والمنام ، وإذا بأريجٍ شهيٍّ يتسلل إلى خلجات روحي فتأخذها رعدة لطيفة حانية ويستحيل أرقها وهمُّها إلى نشاط واستبشار، فتدفع عن نفسي أغلال الجسد المنهك المكدود وتسمو بي إلى أن أرى دون عينين، وأسمع دون أُذنين، وأشعر.. فأرى ما يدور في خلجات نفسي حيًّا ماثلا أمامي، وما إن نظرتُ بعين بصيرتي، حتى رأيتُها تسعى رويدًا رويدًا مثلما يسعى النسيم العليل، وإذا بشذاها يوقظ كامنات شجوني، رأيتها جميلةً شامخةً أبيَّة، باسمة الثغر، مُشرقة العينين على ما شابها من حزن عميق، لم يزد جمالها إلا جمالا، ولم يَكْسُ بهاءها إلا بهاءً ، فانتفضت وأنا بين اليأس منها والرجاء فيها، بينما رنت إليَّ بطرفها، ثم أشاحت عني في نفور بوجهها، قلت لها:

من أنت أيتها الجميلة يرحمك الله ؟
فتجاهلت سؤالي ونظرت إليَّ مزدرية ساخرة وقالت لي:
أطابت نفسك أن تجلس على السرير، و المسجد الأقصى أسير، بأيدي إخوان القردة والخنازير؟
قُلتُ لها مُلِحًّا وقد ازددت حيرةً وعجبا: من أنت يرحمك الله؟

قالت وقد استحالت سخريتها إلى عتابٍ مُرٍّ حزين: لست دَهِشَةً من أنك لم تعرفني، وكيف تعرفني أو يعرفني أيٌّ من أبناء أُمَّتِك من العرب و المسلمين وما مكاني من ضمائركم إلا مكان الخاطر العابر الذي يبرق لحظة ثم يتلاشى؟ ثم كيف تعرفني أو يعرفني أيٌّ من أبناء أمتك من العرب و المسلمين وما يأتي ذكري على ألسنتكم إلا وأنتم تراؤون وتزايدون أو تثرثرون وتتفيهقون؟

أنا أيها التعساء الأشقياء مدينة الله ، أنا مسرى نبيكم الذي هجرتم سُنته، والقبلة الأولى لصلاتكم التي لا تؤدونها إلا وأنتم غافلون متعجلون. أنا من جعل الله الإخلاص في حبي للإيمان معيارا، وجعل التضحية من أجلي إلى مراتب الجنان سبيلا.. أنا القدس الشريف.

قالت ذلك ثم أشاحت بوجهها مرة أخرى وقالت بصوت خفيض: وعلى أي حال أنا لم آت لكم، إنما أتيت لأبحث عن أبنائي المخلصين فأشد من أزرهم وأواسيهم.

ثم نظرت لي فجأة، مستعطفةً دامعة العينين، وقالت: قل لي يرحمك الله، أين الرجال؟ أين أحفاد خالد وسعد وبلال؟

أين حُفَّاظ سورة التوبة والأنفال ؟

أين أبطال قتال؟

أين أُسود النزال؟

أين أحفاد مصعب بن عمير، ينقذونني من أبناء جولدا مائير؟

أين أحفاد عمر بن عبد العزيز، ينقذونني من أبناء شيمون بيريز؟

أين طلاب عبد الله بن مسعود، يطردون إخوان القرود ويفكون الأقصى من القيود؟

أين أحفاد الفاروق عمر ، الذي ما فارق المدينة إلا من أجل الأقصى المبارك ؟

وأين أحفاد بلال بن رباح، الذي ما صدح بالأذان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في بيت المقدس ؟

وأين أحفاد الأصحاب، الذين ما هجروا الأوطان والزوجات والأبناء، وما فارقوا الأحباب، إلا فداءً للأقصى المبارك ؟

وثم أين أحفاد صلاح الدين ، الذي أقسم ألا يبتسم ولا يضحك حتى يحرر الأقصى؟

قلت يائسا حزينا: هؤلاء ماتوا من زمان، وخلت منهم الأوطان..

ماتوا وخلف من بعدهم خلف هِمَمُهُم ضعيفة، وأحلامهم خفيفة، واهتماماتهم سخيفة.

فالت: صدقت يا هذا.. الآباء كانت بيوتهم المساجد، ما بين راكع وساجد، وخاشع وعابد، وصائم ومجاهد.

أما أنتم فبيوتكم المقاهي، ما بين مغنٍّ ولاهٍ، ومن بماله يباهي، ومن وقع في الذنوب والدواهي، إلا من رحمه إلهي.

قُلتُ مؤيدا قولها:
كُنَّا أُسُودًا مُلُوكُ الأرضِ تَرْهَبُنَا والآنَ أصبحَ فأرُ الدَّارِ نَخْشَاهُ

قالت: وإلى متى ستظلون هكذا؟
أما ترون خدِّي تَشَوَّهَ بالنجمة السداسية، وقد داست على جبيني الدولة الإبليسية؟!

الأرض تشهد، والجدران تنطق، والمآذن تصرخ، والمنائر تئن، والمساجد تشتكي إلى الله من تدنيس اليهود لها.

مساجد تحولت إلى حظائر للدواب والخنازير، ومخازن للأسمدة، وأندية للفنانين، ومتاحف للسواح، ومطاعم، وحانات للخمور، ومراقص للهو، ومعابد لليهود يرددون فيها قولهم (إن الله فقير ونحن أغنياء) ويرددون فيها (عزير ابن الله) ويرددون ( يد الله مغلولة) سنوات طوال وأنتم ترون اليتامى، وترصدون الأيامى، ومع ذلك كلكم يتعامى، ولا يحرك فيكم ذلك حتى إبهاما.

قلت لها: على رسلك أينها الحبيبة.. فنحن لسنا صامتين ولا مستسلمين وإن لي معك حديثا سيجعلك تعيدين النظر فيما تقولين.. فاسمعي إذن....

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان