ونفس الشريف لها غايتان

ونفس الشريف لها غايتاننسيم الهواري

الرأى12-8-2025 | 15:49

لا يعجز المرء عن إدراك صورة الجمال في مطلع الفجر أو مغرب الشمس..

أو هجعة الليل أو يقظة الفجر..

أو قمم الجبال أو سفوح التلال..

أو شواطئ الأنهار أو أمواج البحار..

أو مجتمع الأطيار أو منتثر الأزهار..

أو رقة الحس أو عذوبة النفس..

أو بيت الشعر أو قطعة النثر..

كل تلك المشاهد السالفة الذكر قادرة على أن تثير في النفس مكامن قدسيتها فتعشق كل مشهد منها وتطير سرورا به وتسيل وجدا عليه.

ولكن إنسانا واحدا من عباد الله قد يبلغ بموقف تبناه أو قضية آمن بها أو معتقد عاش له ما لم تبلغه كل تلك المشاهد مجتمعة من إدراك صورة الجمال والشعور به والفناء فيه.

ذلك أن الإنسان هو أجمل وأكرم ما خلق الله، ولذلك اصطفاه لحمل أمانته وجعل كل ما في هذا الكون قرآنا مرئيا مسخرا لخدمته وهدايته، فإذا نجح هذا الإنسان في تحقيق غاية الله من خلقه فهو عند الله أجمل من كل ما في الكون من مشاهد تأسر الألباب وتفتن القلوب وتسمو بالأرواح.

وهو له في النفوس أثر أكبر وأعظم وأنقى وأرقى من كل ما تثيره فيها مناظر الطبيعة الخلابة

وقد كان هذا الإنسان بالنسبة لي هو ... أنس جمال الشريف.

فبينما أنا بين يدي هذا العالم المظلم المقشعر.. عالم الحقيقة والألم،

وبينما أنا أنظر إليه نظر الغريب الحائر إلى بلد لا عهد له به ولا سكن له فيه ،

وبينما أنا يكاد عقلي يطير من رؤية المخازي والشرور وظلمة الأجواء واغبرار السماء، وقتال الناس بعضهم بعضا على الذرة والحبة والنسمة والهبوة ،

وبينما أتأمل البشر فأرى اتساع البون بين ملامح وجوههم ومكامن صدورهم، وذلك النتاقض الغريب المبكي المضحك بين أقوالهم وأفعالهم،

وما يؤرق مضجعي من سلطان القوة على الحق وغلبة الجهل على العلم

وخلو القلوب من الرحمة وجمود العيون عن البكاء،

وعجز الفقراء عن فتات موائد الأثرياء

وتمضغ الأثرياء بلحوم الفقراء، وضحك السعداء من مآسي الأشقياء،

وبينما الرذيلة أصبحت شرفا يدعيه لنفسه من لا يتخلق به طلبا لرضا الناس عنه برضاه عنه،

وبينما الفضيلة أصبحت سبة ووصمة يفر بها صاحبها من وجوه الساخرين به والناقمين عليه فرار العاري بسوأته والموسوم بخزيته،

وبينما أنا في ذلك العالم المظلم المدلهم ، إذ أتلقى نبأ استشهاد أنس جمال الشريف.

وإذا بي دون أن أشعر أجد نفسي تمتلأ بكلمات أديبنا الشرقاوي على لسان الحسين رضي الله عنه، وإذا بلساني وقلبي يهتفان معا..

ما دين المرء.. سوى كلمة..

ما شرف الرجل.. سوى كلمة..

ما شرف الله.. سوى كلمة..

أتعرف ما معنى الكلمة؟

مُفتاح الجنة.. فى كلمة..

دخول النار.. على كلمة..

وقضاء الله.. هو الكلمة.

الكلمة نور..

وبعض الكلمات قبور..

بعض الكلمات قلاع شامخة، يعتصم بها النبل البشرى..

الكلمة فرقان..

الكلمة فرقان.. ما بين نبى وبغى..

بالكلمة.. تنكشف الغمة..

الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة..

عيسى.. ما كان سوى كلمة..

أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين.. فساروا يهدون العالم..

الكلمة زلزلت الظالم..

الكلمة حصن الحرية..

إن الكلمة.. مسؤلية..

إن الرجل.. هو الكلمة.. شرف الرجل.. هو الكلمة..

شرف الله.. هو الكلمة..

فعلمت أن هذا هو ما عاش عليه وما مات عليه وما سيبعث عليه أنس..

عاش أنس لكلمة الحق يصرخ بها في وجوه الظالمين ويصر على نقل الحقيقة كما هي،

كانت كلماته للدنيا نور ولأعدائه قبور..

كانت كلماته دليل الأمة إلى الحقيقة ولذلك أحبته الأمة لأنه يصدقها ولا يكذبها،

وكانت كلماته هي الزلزال الذي يعصف بالعدو الظالم المغتصب، ولذلك هابه العدو وسعى مرارا للخلاص منه..

كان يدرك أن الكلمة حصن الحرية، ولذلك عاش حرا كجذع شجرة زيتون لا ينحني أمامهم مهما بلغ صلفهم وتجبرهم وطغيانهم ..

كان يؤمن أن الكلمة مسؤولية ..

كانت كلماته قلاعا شامخة يعتصم بها النبل البشري .. كان يؤمن بأن الرجل هو الكلمة.. ولذلك عاش ومات رجلا.. كان يؤمن أن شرف الرجل هو الكلمة؛ ولذلك عاش ومات شريفا.

عندما سألوه: لماذا تصر على الاستمرار رغم كل هذا الخطر؟

أجاب: لأن ما يحدث هنا يجب أن يُرى.. يجب أن يُسمع.. لن أتوقف مادام هناك من يُقتل بصمت وما دامت الأمانة أثقل من الخوف.. لن أتوقف لأن التوقف خيانة والصمت جريمة.

نعم أيها الحبيب.. لقد أصبت كبد الحقيقة..

إذا كانت الأمانة في القلب أثقل من الخوف فلابد أن يوجد أنس وأمثاله من أولئك الذين يرون أن الصمت جريمة والكف عن فضح المجرمين الغاصبين .. خيانة.

كانت الأمانة في قلبك أثقل من الخوف فعشت تصرخ في وجوه الظالمين بكلمة الحق.. حتى كان آخر تقرير لك بمداد من دمك.. وكانت آخر صورة تنقلها هي صورتك وأنت تُصرع في عزة وإباء.

لقد وصلت رسالتك يا أنس.. قلت لنا بأفعالك لا أقوالك:

سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا

و نفس الشريف لها غايتان ورود المنايا ونيل المنى

نعم يا أنس.. لقد حملت بكل صدق روحك على راحتك وألقيت بها في مهاوي الردى وكلما نجت عدت لرميها حتى علمت أنه لا مفر من الشهادة فتركت الأرض وحلقت فوق أديم السماء.

نعم يا أنس.. لقد سرتنا حياتك لأنك كنت تنقل لنا وعنا أثمن الأشياء وأغلاها.. كنت تنقل لنا وعنا الحقيقة فكنت صرخاتنا المكتومة وآهاتنا المأنونة..

نعم يا أنس لقد كانت موتك أقسى على العدو من حياتك فكما كنت تسومهم الخسف بحياتك، وصمتهم العار والخزي بموتك..

نعم يا أنس.. لقد نالت نفسك غايتيها التي شغلتها بهما فقد وردت المنايا ونالت المنى..

توصينا بشام وصلاح؟! لله درك!! هلَّا كنت أوصيتهما بنا ليعلمانا العزة والإباء؟!

توصينا بأمك؟! لله درك!! هلا كنت أوصيتها بنا لتشرح لنا كيف يكون الصبر والسمو والارتقاء؟!

توصينا بفلسطين.. درة تاج المسلمين؟! نعدك ألا تسكتنا القيود ولا تقعدنا الحدود وأن نكون جسورا نحو تحرير البلاد والعباد..

رحمك الله أيها الشريف وتقبلك عنده في الشهداء...

اقرأ أيضا

رسائل أم مكلومة




أضف تعليق