في زمن وأدت فيه الإنسانية مكارم أخلاقها وأخرجت أقسى وأحط وأخس ما ينبغي لها أن تنفر وتتبرأ منه.
في زمن تاه فيه قبر الضمير الدارس وانمحى بين قبور عدة ضمت في أحشائها كل ما كان يجعل الإنسان إنسانا خُلق ليتعبد إلى ربه بالرأفة والرحمة والبناء والإصلاح.
تاه قبر الضمير حتى لا نأمل في مجرد البكاء على أطلاله فضلا عن الأمل في حياته بعد موته.
في زمن أصبح فيه موت أطفال غزة وصمة عارٍ على جبين الإنسانية، لا لمجرد موتهم وهم الأبرياء الذين لا ذنب لهم فحسب، ولكن لأنهم بكل خزي وعار وأسف؛ يموتون جوعا وعطشا.
وارحمتاه لكل أم ثكلى ترى فلذة كبدها تذبل وتموت أمام ناظريها وهي عاجزة عن أن تمد يد العون لها..
وارحمتاه لكل أم ثكلى ترى ماء الحياة ينضب في جسد وليدها قطرةً قطرة، وترى شبح الموت يتسلل إلى جسد وليدها في ثقة وكبرياء وطمأنينة وهي لا تملك أن تستعطفه ليترك لها وليدها.
لو كان الذي يمزق جسد وليدها طيرٌ جارح لاسترحمته فرحمها وترك لها ثمرة فؤادها.
ولو كان الذي يلغ في دماء وليدها وحش كاسر لاستعطفته فعطف عليها وجعلها تنعم بريحانة قلبها
ترى ما الذي يدور بخلد تلك الأم الثكلى دامية القلب مخنوقة الروح، وهي ترى عواصف الموت تدمر آمالها وسنوات عمرها المتمثلة في وليدها الذي تفارقه الحياة في تؤدة وهدوء؟!
لعلها تستحضر سنوات عمرها التي سبقت فرحتها بوليدها،
لعلها تستحضر لحظة فرحتها حينما شعرت به جنينا في أحشائها،
لعلها تستحضر شعورها بمراحل نموه في رحمها،
لعلها تستعذب تلك الآلام اللذيذة التي كان يسببها لها حركته في أحشائها،
لعلها تتذكر بكل شوق وحنين .. أجمل معاني الشوق والحنين وهي تعد الأيام والأشهر انتظارا لمثوله طفلا بين يديها
لعلها تستحضر لحظة فرحتها بألم ولادتها الذي كان يمثل لها عيدا طال انتظارها له، ورؤيتها لوجهه الذي ما كان سبق لها أن رأته بعينها، ولكنها ما غاب عن مخيلتها لأنها رأته مرات ومرات بلهفة قلبها..
كان استقبالها له استقبال المحب لحبيبه الذي غاب وانقطع الأمل في عودته فعاد كأجمل ما تكون العودة.
كان تمني نفسها بأن يحيا ولدها عمرا مديدا فيضاف عمره إلى عمرها فتحيا مرتين، فخاب أملها وماتت هي ووليدها دفعة واحدة.
لعلها تستحضر في مخيلتها بسماته البريئة التي كان يجود بها عليها وهو في المهد وليدا فتحيل صحراء قلبها إلى حدائق غناء.
لعلها تستحضر في مخيلتها وبين جوانح قلبها دمعاته التي كانت تفجر ينابيع الحنان بين حنايا روحها
لعلها تخاطب الموت بلسان حالها، وربما والله بلسان مقالها فتقول له مستعطفةً مسترحمة: اتركه لي قعيدا ..
اتركه لي كفيفا..
اتركه لي مريضا..
فحسبي أن أراه بجانبي في الساعة التي أفارق فيها هذه الحياة..
اتركه لي حتى يكون هو المشيع لي لا أنا المشيعة له..
اتركه لي حتى أوصيه بزيارة قبري بعد موتي.. فإن لم يستطع فليدع لي بدعوات تخفف عني ضمة القلب وتستنير بها ظلماته حالكة السواد..
ما أسعد الأمهات اللواتي يسبقن أولادهن إلى القبور! وما أشقى الأمهات اللواتي يسبقهن أولادهن إلى القبور!
كنت أمني النفس بأن أستقبل الموت وأنا تاركة وليدي ورائي، فلماذا تكتب تعاستي بأن تجعلني أتمنى الموت لأن وليدي قد سبقني إليه؟

ثم ترى ماذا تقول تلك الأم البائسة للأحياء من بني الإنسانية؟ لعلها تخاطبنا جميعا حكاما ومحكومين.. عملاء ومجاهدين.. مناصرين ومتخاذلين.. باكين عليها ومنشغلين عنها.. لعلها توجه لنا جميعا خطابا واحدا فتقول متسائلة: أتاقت أنفسكم أن تنعموا بالطعام والشراب وأنا تذبل حياة ولدي أمامي من أجل كسرة خبز أو قطرة ماء؟!
أإلى هذا الحد فقدتم البصر والبصيرة والنخوة والإحساس وقد عاث أبناء صهيون في الأرض فسادا وكسادا؟!
أليس فيكم رجل رشيد يوقفهم عن تغولهم وينهاهم عن أفعالهم الدنيئة؟!
أما مللتم من الاستنكار والرفض والأسف والتنديد والامتعاض؟!
هل من المعقول أن يكون هذا هو أقصى أفقكم؟!
وهل من المقبول أن يكون هذا هو سقف تفاعلكم مع تلك الأرواح المسلوبة والهوية المنكوبة والوجود الإنساني المسحول؟!
لقد ألف أبناء صهيون شجبكم واستنكاركم وتنديدكم ورفضكم حتى أصبحوا لا يردون عليه إلا بزيادة تلطيخ باحات الأطهار في أعز الأمصار بالدماء.
واأسفاه! لقد اعتدت سماع أصوات المنددين، والمتحسرين، والرافضين، لكن لا أثر لها في قلبي بعد أن انطفأت جذوة الحياة في روح ولدي، وأصبحت أقاوم آهات الزمان بمفردي وأقاسي مرارة الثكل وحدي، ولم يعد في عبراتي متسع للبكاء على أطلال الحضارة والتاريخ، فأي حضارة سأبكي عليها وأي تاريخ سأتحسر عليه وقد مات ولدي... جوعا وعطشا؟!
إن روح ولدي والكثيرين مثله ليست إلا ثمنا لصمتكم وعجزكم وتخاذلكم، ليست إلا ضريبة لتشرذمكم الغريب وتشظيكم العجيب وانصرافكم عن جدكم إلى لهوكم وعن مثلكم العليا إلى شهواتكم الدنيا، وعن آخرتكم إلى دنياكم.
فلتعيشوا ما شئتم، فلتنعموا بالطعام والشراب وقد مات ولدي جوعا وعطشا.. فلتأنسوا بأولادكم وقد غيب الجوع والعطش بالموت وجه ولدي، ولكن رسالتي الأخيرة لكم هي أن تعلموا علم اليقين أنكم لا شك محاسبون على صمتكم وخذلانكم ولو بعد حين..
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.