إسرائيل بين انفجار داخلي ومواجهة خارجية: قراءة في دوافع التصعيد ضد إيران

إسرائيل بين انفجار داخلي ومواجهة خارجية: قراءة في دوافع التصعيد ضد إيرانصورة تعبيرية

عرب وعالم19-6-2025 | 22:17

في الوقت الذي تصاعد فيه التوتر في المنطقة على وقع الضربات الإسرائيلية غير المسبوقة ضد أهداف إيرانية في 13 يونيو 2025، كانت حكومة بنيامين نتنياهو تقف على حافة الانهيار الداخلي بسبب أزمة قانون تجنيد الحريديم، ومشاريع حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

هذا التزامن بين مأزق داخلي خطير وتحرك عسكري خارجي يطرح تساؤلات جوهرية حول علاقة السياسات الأمنية الإسرائيلية بالأزمات السياسية الداخلية، ومدى استخدام الحكومة الإسرائيلية للضربات العسكرية كوسيلة للهروب من الضغوط السياسية، أو لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الائتلاف الحاكم.

في هذه الورقة التحليلية، تسلط الدكتورة حنان أبو سكين، أستاذ العلوم السياسية ورئيس قسم بحوث وقياسات الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الضوء على المشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي، وتشرح كيف تفاعلت الحكومة والشارع الإسرائيلي مع التصعيد العسكري مع إيران في ظل استمرار الحرب المستنزفة في غزة، وتكشف العلاقة المعقدة بين أزمة تجنيد الحريديم وتحركات نتنياهو العسكرية، وتحلل موقع المعارضة، ودور القوى الدينية، وما إذا كان التلويح بالحرب أصبح وسيلة لاستبقاء التحالفات المتداعية.

أولًا: التصعيد العسكري ضد إيران وظلاله على الداخل الإسرائيلي

رغم هشاشة الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل، شهد يوم 13 يونيو 2025 هجومًا إسرائيليًا واسعًا استهدف منشآت نووية وعسكرية إيرانية، كان أبرزها في نطنز، ونجح في تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية، وقتل عدد من كبار الجنرالات والعلماء النوويين. جاء الرد الإيراني سريعًا، متسببًا في شلل مؤقت داخل إسرائيل تمثل في إغلاق المطار الرئيسي ونقل مئات المرضى إلى ملاجئ طوارئ تحت الأرض، وسط حالة من الهلع، واندفاع المواطنين لشراء الاحتياجات الضرورية.

غير أن هذا التصعيد جاء في لحظة حرجة سياسيًا، حيث كانت الحكومة على وشك الانهيار بسبب أزمة قانون تجنيد الحريديم، وكانت هناك محاولات حثيثة لحل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة، مما يثير الشكوك حول دوافع التوقيت، وإمكانية استخدام الضربات العسكرية كورقة ضغط سياسية داخلية.

ثانيًا: تجنيد الحريديم... أزمة تتجدد كلما اهتزت الحكومة

يُعد ملف تجنيد طلاب المعاهد الدينية من أكثر القضايا حساسية في إسرائيل، إذ يعكس التوتر العميق بين التيارين العلماني والديني. فمنذ تأسيس الدولة، أعفى ديفيد بن غوريون هؤلاء الطلاب من التجنيد، وكان عددهم حينها لا يتجاوز بضع مئات، بينما يبلغ عددهم اليوم ما يقرب من 13% من السكان.

تحالف الحريديم مع حزب الليكود بزعامة نتنياهو منحهم ثقلاً سياسيًا بالغًا، إذ يضم الائتلاف الحكومي الحالي كلاً من الليكود (32 مقعدًا)، وتحالف الصهيونية الدينية (14 مقعدًا)، وشاس (11 مقعدًا)، ويهدوت هاتوراه (7 مقاعد). وفى سبتمبر 2024، أعلن نتنياهو انضمام جدعون ساعر إلى الائتلاف، ليعزز الأغلبية إلى 68 مقعدًا، وهو ما منح الحكومة استقرارًا نسبيًا.

لكن هذا التماسك لم يدم طويلًا، إذ تسببت استقالة حزب "القوة اليهودية" بقيادة إيتمار بن غفير في يناير 2025 احتجاجًا على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، في تقليص الدعم إلى 62 مقعدًا فقط. وسرعان ما عاد الحزب إلى الحكومة في مارس 2025 بعد استئناف الغارات على غزة، وهو ما فسره مراقبون بأنه محاولة لإرضاء بن غفير لتمرير الموازنة وضمان بقاء الائتلاف، حتى لو جاء ذلك على حساب الدماء الفلسطينية.

ثالثًا: المحكمة العليا تتحدى الحكومة… والحريديم يردون بالتصعيد

في 25 يونيو 2024، أصدرت المحكمة العليا قرارًا يُلزم طلاب المعاهد الدينية بالتجنيد ويمنع تقديم الدعم المالي للمؤسسات الرافضة لذلك. ومنذ ذلك الحين، توالت التظاهرات الحاشدة للحريديم، مطالبة نتنياهو بالإيفاء بتعهداته بشأن الإعفاء، والتي كان قد قدمها ضمن وعود تشكيل الحكومة.

تفاقمت الأزمة مع تصويت الهيئة العامة للكنيست في 12 يونيو 2025 برفض مشروع قانون حل الكنيست بأغلبية 61 صوتًا مقابل 53، رغم تهديدات الحريديم بحل البرلمان إذا لم تُلب مطالبهم. كانت المعارضة تأمل في إسقاط الحكومة عبر أصوات الحريديم، لكن تفاهمات خلف الكواليس بين الليكود وكل من "شاس" و"يهدوت هاتوراه" حالت دون ذلك، مع تسجيل تصويت عضوين من "أغودات إسرائيل" لصالح حل البرلمان، وهو ما كشف انقسامًا غير مسبوق داخل التيارات الدينية.

وبضغط من كبار الحاخامات، خاصة الحاخام دوف لانداو، تم تأجيل الحسم وإعطاء الحكومة فرصة لتقديم تسوية تحافظ على امتيازات الحريديم، وتؤجل التصويت النهائي على قانون التجنيد.

رابعًا: ضغوط مالية وابتزاز سياسي داخل الائتلاف

يتضح من المشهد أن الحريديم لا يسعون فعليًا إلى حل الكنيست، بل إلى ابتزاز الحكومة لتمرير قانون يُبقي امتيازاتهم. فحالة التردد في التصعيد مرتبطة بخوفهم من خسارة الدعم المالي الذي يحصلون عليه من خلال تحالفهم مع الليكود، خاصة في ظل مؤشرات استطلاعات الرأي التي ترجح فوز المعسكر العلماني المعارض في أي انتخابات مقبلة، بما لا يضمن تكرار هذه الامتيازات.

وقد أعلنت الحكومة نيتها تحويل نحو 100 مليون شيكل إلى المعاهد الدينية التي لا يلتحق طلابها بالجيش، رغم حكم المحكمة العليا بعدم قانونية ذلك، ما يعكس حجم النفوذ الذي يمارسه الحريديم على القرار السياسي، مقابل ضمان استمرار الحكومة حتى نهاية ولايتها في 2026.

خامسًا: هل كانت إيران "الهدف المناسب" لتوحيد الصفوف؟

وسط هذا الانقسام السياسي الحاد، يمكن فهم توقيت الهجوم الإسرائيلي على إيران ليس فقط ضمن منطق المواجهة العسكرية التقليدية، وإنما كاستراتيجية داخلية هدفها إعادة ترتيب أوراق الحكومة وتوحيد الجبهة خلف القيادة السياسية والعسكرية. فإسرائيل، التي تعيش صراعًا داخليًا متصاعدًا بين الأحزاب، وجبهة خارجية متورطة في حرب مفتوحة في غزة، وجدت في التصعيد ضد إيران فرصة لتقوية موقفها الإقليمي والدولي، ولصرف الأنظار عن أزمتها السياسية.

وقد ساهمت التهديدات المتكررة من “محور المقاومة”، وتقدم إيران في تخصيب اليورانيوم، في تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لقبول فكرة "الضربة الوقائية" كحل وحيد، مما وفر الغطاء السياسي لنتنياهو لاستخدام القوة، تمامًا كما فعل في غزة لإرضاء اليمين المتطرف.

وتختم دكتورة حنان : المشهد السياسي الإسرائيلي في لحظة يونيو 2025 لا يمكن فهمه بمعزل عن تشابك الداخلي مع الخارجي، إذ تُظهر الوقائع أن استخدام القوة العسكرية أصبح أداة سياسية داخلية، تُستخدم لضمان بقاء الحكومة، وكسب تأييد الجمهور، واحتواء حلفاء غاضبين داخل الائتلاف. أما "العدو الخارجي"، سواء في غزة أو إيران، فقد بات ورقة توظيف سياسي، يلوّح بها نتنياهو كلما ضاق عليه الخناق.

يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يمكن لهذا التكتيك أن ينجح في ظل تغير المزاج الشعبي الإسرائيلي، وتصاعد الضغط الدولي على تل أبيب بسبب أفعالها في غزة؟ وهل تستمر قدرة نتنياهو على التوازن بين الشارع المتدين الحريدي واليمين العلماني المتشدد في ظل أزمات متراكمة؟ الإجابة ستكشفها الأشهر المقبلة، وسط بركان سياسي لم يهدأ بعد.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان