الملكية الفكرية والابتكار في عُمان.. نحو بناء اقتصاد معرفي متنوع مستدام

الملكية الفكرية والابتكار في عُمان.. نحو بناء اقتصاد معرفي متنوع مستدام الابتكار في عُمان

عرب وعالم21-9-2025 | 11:28

ترتبط علاقة الابتكار ب الملكية الفكرية بعلاقة وثيقة، حيث تُعد الملكية الفكرية حجر الزاوية لتشجيع الابتكار وحمايته وتوفير الحوافز للمخترعين والمبدعين للاستفادة من أعمالهم. فهي تُمكنهم من اكتساب حصة سوقية، وتوفير الحماية القانونية ضد التقليد، وتسهيل الاستثمار، وتوفير آلية لتبادل المعرفة، مما يعود بالفائدة على المبدعين والمجتمع ككل.

وتعد حقوق الملكية الفكرية أداة استراتيجية لتعزيز الابتكار؛ حيث توفر إطارًا قانونيًّا يوازن بين حماية الإبداع وتشجيع نشر المعرفة. وتلعب الملكية الفكرية دورًا محوريًّا في دعم التنمية الاقتصادية والاستدامة، إذ ترافق عملية الابتكار من الفكرة إلى دخول السوق. لذا، ينبغي تصميم أنظمة الملكية الفكرية بشكل يحقق التوازن بين الحماية والتحفيز على الإبداع، بدلًا من التركيز على التشديد أو التهاون في الحماية. وتوفر هذه الحقوق للمبدعين احتكارًا مؤقتًا لاختراعاتهم، مما يتيح لهم استرداد استثماراتهم ويشجعهم على مشاركة أفكارهم دون الخوف من الاستغلال غير المصرح به.

تسهم حماية حقوق الملكية الفكرية في تعزيز الابتكار ودعم النمو الاقتصادي من خلال توفير الحوافز المالية والقانونية للمبدعين للاستثمار في البحث والتطوير. ويُعد الابتكار محركًا أساسيًّا للنمو؛ حيث يُسهم في تطوير منتجات وخدمات جديدة، وزيادة الإنتاجية، وخلق فرص عمل، مما يعزز التنافسية ويرفع الدخل القومي. كما تساعد حقوق الملكية الفكرية في تحقيق التوازن بين حماية الإبداع وضمان استفادة المجتمع من التكنولوجيا والمعرفة.
تعد الملكية الفكرية عنصرًا أساسيًّا في دعم القطاعات الإبداعية والابتكارية داخل الاقتصاد الوطني، حيث تشجع الاستثمار في البحث والتطوير، مما يسهم في تعزيز الابتكار. كما أنها تمثل جزءًا مهمًا من البنية التحتية التي تدعم عمليات الإنتاج والتوزيع والتسويق، مما يجعلها ركيزة للتنمية الاقتصادية في مجالات الزراعة، التجارة، الصناعة، والخدمات. وتسهم الملكية الفكرية في تحديث المجتمعات وتقدمها المستمر، حيث تساعد في تسهيل الوصول إلى الأهداف بطرق أكثر كفاءة وتحقيق مستويات أعلى من الرفاهية.
وعليه، فقد أدت الفجوة في الملكية الفكرية بين الدول إلى تصنيف الدول حول العالم إلى دول متقدمة: حيث تمتلك الدول المتقدمة معظم عناصر التقنية والاختراعات الحديثة في مختلف المجالات، وتسعى لامتلاك المزيد من عناصر التقنية والاختراعات الحديثة، وتتبنى لهذا الغرض أحدث الأساليب العلمية، وتتبع إجراءات علمية وإدارية متقدمة وأنظمة قانونية صارمة. والدول النامية: وهي الدول التي تمتلك بعض عناصر التكنولوجيا والاختراعات الحديثة، وتسعى بإصرار إلى امتلاك المزيد منها، وتعتبر من الدول المتوسطة فيما يتعلق بامتلاك التكنولوجيا والعناصر الابتكارية، والدول المتخلفة: هذه الدول هي الدول التي تفتقر إلى التكنولوجيا الحديثة والعناصر الابتكارية، بما في ذلك معظم دول العالم الثالث.
تؤثر حماية الملكية الفكرية إيجابيًّا على النمو الاقتصادي من خلال استقطاب التكنولوجيا الأجنبية المتمثلة في السلع الرأسمالية. ويؤدي نقل المعرفة ونشرها إلى ترسيخ علاقة قوية بين الملكية الفكرية والتنمية، مما يعزز التنافسية ويدعم القطاع الصناعي. كما تُسهم حماية الملكية الفكرية في دفع عجلة التنمية الصناعية وخلق فرص عمل جديدة وأكثر جودة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تسهيل تبادل الأفكار والتقنيات عالميًّا عبر الاتفاقيات الدولية يسهم في تحقيق فوائد اقتصادية واسعة النطاق، وتعزيز الابتكار والنمو المستدام.
وتأسيساً على ما سبق، سجلت سلطنة عُمان زيادة ملحوظة في طلبات حماية الملكية الفكرية محليًا، لا سيما براءات الاختراع والعلامات التجارية، ما ساهم في رفع ترتيبها على المستويين العالمي والإقليمي. فقد ارتقت سلطنة عُمان 60 مرتبة في مؤشر براءات الاختراع حسب بلد المنشأ لتصل إلى المرتبة 38 عالميًا مقارنةً بالمرتبة 98 في 2024، كما تحسنت في مؤشر العلامات التجارية حسب بلد المنشأ من المرتبة 60 في 2024 إلى المرتبة 47 في 2025، وهو ما يعكس تنامي قوة بيئة الأعمال وحرص الشركات العُمانية على بناء هويات تجارية قوية وزيادة النشاط الابتكاري، بالإضافة إلى وعي الأفراد والشركات والمؤسسات بأهمية حماية الابتكارات والتقنيات الجديدة.
وقد بلغ عدد طلبات براءات الاختراع المسجلة لدى المكتب الوطني للملكية الفكرية حتى نهاية النصف الأول من العام 2025 نحو 1253 طلبًا، في حين بلغت طلبات العلامات التجارية 19884 طلبًا، وبلغ عدد طلبات التصاميم الصناعية 48 طلبًا، أما طلبات حق المؤلف فوصلت إلى 246 طلبًا، ما يعكس تنامي الوعي بأهمية حماية الملكية الفكرية ودورها في حفظ الحقوق وتطوير بيئة الأعمال.
يأتي هذا النمو نتيجة لتكامل الجهود الحكومية في تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي الداعم، وتسهيل الإجراءات من خلال التحول الرقمي، بالإضافة إلى ما تم إنجازه في مجال نشر الوعي المجتمعي عبر الحملات التوعوية والبرامج التعليمية.
تنوّعت طلبات براءات الاختراع المسجلة في سلطنة عُمان لتشمل مجالات تقنية متقدّمة تعكس الأولويات الوطنية، منها الطاقة المتجددة، وخاصة الهيدروجين الأخضر، وتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، والصناعات الكيميائية، والميكانيكا والهندسة الصناعية، إضافة إلى الروبوتات والطائرات بدون طيار، والمجالات الطبية والصيدلانية، ويؤكد هذا التنوع على تطور الفكر الابتكاري الوطني، وقدرته على الإسهام في الحلول المستقبلية وتلبية متطلبات الاقتصاد الرقمي.
وتقدمت سلطنة عُمان في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 الذي تصدره المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، حيث احتلت المرتبة 69 عالميًا من بين 139 اقتصادًا، مرتفعة خمس مراتب عن عام 2024 الذي كانت فيه في المرتبة 74، ويعكس هذا الإنجاز الوطني التحسن المستمر في منظومة الابتكار العُمانية وارتفاع الوعي بأهمية حماية حقوق الملكية الفكرية، بما يسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتطوير بيئة الأعمال.
ويعتمد مؤشر الابتكار العالمي على نحو 80 مؤشرا تجمع بين مدخلات ومخرجات الابتكار، وتشمل البحث والتطوير، ورأس المال البشري، والاستثمارات، والبنية الأساسية، وحماية الملكية الفكرية، والمخرجات التكنولوجية والإبداعية، لتقديم رؤية شاملة عن المشهد الابتكاري في الدول الأعضاء بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية.
وقد أبرز تقرير هذا العام الدور المتنامي لسلطنة عُمان في تعزيز بيئة الابتكار، خصوصًا فيما يتعلق بمخرجات المعرفة والتكنولوجيا والمؤسسات والبنية الأساسية، وهو ما يعكس قدرة سلطنة عُمان على تحويل الاستثمار في المعرفة إلى نتائج قابلة للقياس.
وأوضح التقرير أن سلطنة عُمان حققت أعلى أداء لها ضمن ركائز مخرجات المعرفة والتكنولوجيا والمؤسسات والبنية الأساسية، حيث ارتقت ركيزة مخرجات المعرفة والتكنولوجيا من المرتبة 87 إلى المرتبة 72 بنسبة تحسن بلغت 17.2%، فيما تقدمت ركيزة المؤسسات من المرتبة 78 إلى المرتبة 66 بنسبة 15.4%، وبالنسبة للبنية الأساسية ارتقت سلطنة عُمان من المرتبة 84 إلى المرتبة 72 بنسبة 14.3%، في حين شهدت تطورات السوق تحسنا من المرتبة 61 إلى المرتبة 57 بنسبة 6.6%، مما يعكس زيادة مرونة السوق وجاذبيته للاستثمارات.
والمؤكد أن تقدم سلطنة عُمان في مؤشر الابتكار العالمي جاء نتيجة للجهود المبذولة لتعزيز بيئة الابتكار وريادة الأعمال وتطوير التشريعات الداعمة للملكية الفكرية، ويعكس التزام عُمان بتطوير بيئة حاضنة للابتكار وتحفيز الشركات والمؤسسات على الاستثمار في المعرفة والإبداع، بما يسهم في زيادة تنافسية الاقتصاد الوطني وتحقيق أهداف «رؤية عمان 2040».
كما أن ارتفاع ترتيب سلطنة عُمان في مؤشرات الابتكار يوضح النمو في ثقافة تسجيل حقوق الملكية الفكرية، والإقبال المتزايد من المخترعين ورواد الأعمال والشركات على تسجيل براءات الاختراع والعلامات التجارية.
من جانب آخر ساهم القرار الوزاري العُماني رقم 206/2018 بشأن تخفيض رسوم خدمات الملكية الصناعية لطلبة المدارس والكليات والجامعات بنسبة 90%، والمؤسسات الصغيرة بنسبة 50%، في تنشيط الإقبال على تقديم الطلبات والاستفادة من هذه الأنظمة، بما يقلل من نفقات البحث والتطوير ويحفز الابتكار والإبداع المحلي.
إجمالاً ... يمكن القول أن تقدم سلطنة عُمان في مؤشر الابتكار العالمي يعد خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد معرفي متنوع ومستدام، ويؤكد دور الملكية الفكرية كركيزة أساسية لدعم تنافسية سلطنة عُمان على المستوى الإقليمي والدولي، ويعكس التزام الجهات الحكومية بتحفيز الابتكار، وتطوير البنية المؤسسية والتقنية بما يسهم في تحقيق «رؤية عمان 2040» لبناء اقتصاد معرفي متكامل.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان