منذ لحظة الميلاد قد يحمل بعض الأشخاص قنبلة صحية صامتة داخل أجسادهم دون أن يدركوا، إنها حالة فرط كولسترول الدم العائلي، اضطراب جيني وراثي يتسبب في ارتفاع مستويات الكوليسترول الضار (LDL) إلى معدلات خطيرة. هذا الخلل لا يقتصر على مجرد أرقام مرتفعة في تحليل الدم، بل يسرّع من تصلب الشرايين ويضع صاحبه أمام خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية في سن مبكرة جدا، حتى الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر.
يشرح الدكتور ياسر النحاس أستاذ جراحة القلب المفتوح أن المرض ينتقل عبر الجينات إما من أحد الوالدين في صورة أكثر شيوعا، أو من كليهما في صورة نادرة وشديدة الخطورة تظهر أعراضها في الطفولة المبكرة. السبب يعود لطفرات في جينات مثل LDLR وAPOB وPCSK9، وهي المسؤولة عن إزالة الكوليسترول الضار من الدم. وعندما تفشل هذه الآلية، تتراكم الدهون في الأوعية الدموية، فتظهر علامات جسدية مثل ترسبات صفراء على الأوتار والجفون أو حلقات بيضاء حول القرنية.
التشخيص يعتمد على فحوصات الدم التي تكشف ارتفاع الكوليسترول الضار، إلى جانب التاريخ العائلي والفحص الجيني لتأكيد الإصابة. أما المخاطر فهي واضحة: تصلب مبكر في الشرايين، انسداد الأوعية الدموية، وارتفاع احتمالية التعرض لأزمات قلبية أو دماغية مبكرة.
ورغم خطورة المرض، فإن السيطرة عليه ممكنة إذا جرى التدخل مبكرا. يبدأ الأمر بتغيير نمط الحياة، عبر نظام غذائي منخفض الدهون المشبعة وغني بالألياف وأوميغا-3، مع ممارسة الرياضة بانتظام، الإقلاع عن التدخين والحفاظ على وزن صحي. الأدوية تأتي في الخط الأمامي مثل الستاتينات، ويليها علاجات أحدث كـ مثبطات PCSK9 والإزيتيميب، بينما قد تستخدم الفصادة أو حتى زراعة الكبد في الحالات النادرة والشديدة.
الوقاية أيضًا لا تقل أهمية، إذ يجب أن يخضع أفراد العائلة للفحوصات إذا كان هناك تاريخ وراثي للإصابة، مع متابعة دورية لتجنب المضاعفات. في النهاية تبقى الرسالة واضحة: التشخيص المبكر والتزام العلاج هما خط الدفاع الأول ضد مضاعفات قد تُختصر أعمار أصحابها إن لم تُعالج في الوقت المناسب.