يظل الفنان إياد نصّار حالة مختلفة، فنان لا يحتاج إلى صخب ليرى، ولا إلى ضجيج ليسمع. يكفي أن تتابع ملامحه في مشهدٍ واحد لتدرك أنك أمام ممثل يجيد لغة التفاصيل… لغة الصمت والنظرة والهمس.
*البدايات:
وُلد إياد نصار في التاسع من نوفمبر عام 1971 في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، ونشأ في الأردن وسط أسرة فلسطينية الجذور، لم يكن الطريق إلى التمثيل واضحًا في بدايته، فقد عمل في مجال التعليم قبل أن يكتشف أن المسرح هو بيته الحقيقي، حيث بدأ كمساعد مخرج ثم خاض تجربة الإخراج المسرحي قبل أن يقف أمام الكاميرا كممثل لأول مرة في الدراما الأردنية.
موهبته اللافتة دفعت صناع الدراما في مصر إلى استقطابه، وكانت محطة الانطلاق الحقيقية من خلال مسلسل “صرخة أنثى” عام 2007، الذي قدم فيه شخصية لفتت الأنظار إلى ملامحه الهادئة وأدائه المتزن.
*نقطة التحول: "الجماعة" وصناعة الوعي
التحول الأكبر في مسيرة إياد نصّار جاء مع مسلسل “الجماعة” للكاتب وحيد حامد، حين جسّد شخصية حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.
لم يكن الدور سهلاً، بل كان أحد أكثر الأدوار جدلًا في الدراما العربية، لكنه أدّاه بإتقانٍ مذهل جعل الجمهور ينسى أنه يشاهد ممثلًا، بل إن كثيرين ربطوا وجه إياد نصّار بتلك الشخصية لسنواتٍ طويلة.
منذ ذلك الحين، أصبح إياد نصّار رمزًا للأداء العميق البعيد عن المبالغة، الممثل الذي يُفكّر قبل أن يتكلم، ويُعبّر قبل أن ينطق.
*الفنان المتجدد
ما يميز إياد نصّار أنه لا يكرر نفسه في كل عمل، يقدّم نسخة جديدة من ذاته.
من الدراما التاريخية والاجتماعية إلى الأفلام المعاصرة، استطاع أن يُقدّم وجوهًا متعددة للرجل الشرقي… الحالم، الجاد، المتردد، وحتى المظلم أحيانًا.
في فيلم "الممر" قدّم ضابطًا يفيض بالوطنية، بينما في فيلم "كازابلانكا" ظهر بشخصية حادة الذكاء مليئة بالغموض، أما في مسلسل "النهاية" فدخل إلى عالم الخيال العلمي بخطواتٍ واثقة.
كل دور يترك بصمته الخاصة، كأنّه يحفر في ذاكرة المشاهد لوحة جديدة تضاف إلى رصيده.
*بين الفن والإنسان
خلف الكاميرا، يعيش إياد نصّار حياة هادئة، بعيدة عن صخب الوسط الفني. يُعرف بتواضعه واحترامه لزملائه، وبسعيه الدائم لأن يقدّم فنًا يحمل فكرًا ورسالة.
يقول في أحد حواراته: “الفن بالنسبة لي ليس شهرةً مؤقتة، بل مسؤولية أمام الناس والتاريخ.”
وربما لهذا السبب، لا يُقدّم عملًا إلا بعد دراسةٍ دقيقة، فهو من الفنانين الذين يؤمنون أن التمثيل ليس مهنة عابرة، بل حالة إنسانية كاملة.
*جاذبية الحضور الهادئ
إياد نصّار لا يصرخ في المشهد، ولا يملأ الكادر بحركاتٍ مفتعلة، لكنه يملك كاريزما ناعمة تُجبرك على متابعته.
عيناه تحملان عمق التجربة، وصوته ينساب بهدوءٍ كأنّه يروي حكاية قديمة، أما حضوره فيترك أثرًا طويل المدى.
*خلاصة المسيرة
من معلمٍ في الأردن إلى نجمٍ في مصر والعالم العربي، قطع إياد نصّار طريقًا طويلًا لم يكن مفروشًا بالورود، لكنه أثبت أن الموهبة الصادقة لا تعرف حدودًا ولا جنسية.
في كل عمل يقدّمه، يُذكّرنا بأن الفن ليس مجرد تمثيل، بل صدقٌ يُترجم على الشاشة في لحظةٍ تلامس القلب.
وفي عيد ميلاده، يحتفي جمهوره بممثلٍ جعل الصمت فنًّا، وجعل من الإحساس مدرسةً يُقتدى بها، ليبقى إياد نصّار واحدًا من أكثر الممثلين العرب عمقًا ورُقيًّا على الشاشة.