مأساة الضوء الأزرق

مأساة الضوء الأزرقنسيم الهواري

الرأى25-11-2025 | 08:54

في عالمٍ يُشِعُّ بـ الضوء الأزرق، يلتقي البشر بلا لقاء، ويرسلون رسائل تتناثر كأوراق الخريف في مهبِّ الريح، لكنها تَضِلُّ طريق القلوب.

هناك خلف شاشاتٍ صغيرة، تضيع الكلمات في صمتٍ كثيف، وتذوب النظرات في وَهَجٍ بلا حياة.

في هذا العصر الذي يبدو فيه العالم صغيرًا بِفِعلِ شاشات الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، تلوح الوِحدة في أُفُق الحياة الأسرية والمجتمعية كظلالٍ شاحبةٍ لا تزول.

نبدو كأننا أقرب بعضنا لبعض من أيِّ وقتٍ مضى ، لكن الواقع أننا أكثر ابتعادا.

نعتقد أننا على اتصالٍ دائمٍ بالآخرين، وأن أعيننا لا تفارق وجوه الأصدقاء، لكن الحقيقة المُرَّة تكمن في أننا أسرى لشاشاتٍ تصنع اتصالًا وهميًّا يقتل الدفء الحقيقي، ويكسو أعيننا ووجوه أصدقائنا، على السواء، ستارًا باردًا من الجفاء والقطيعة التي نشعر بها ونتجاهلها.

إننا نتواصل.. نعم.. لكن تواصلنا ما هو إلا صدًى باردًا: كلماتٌ بلا نظرات.. رسائل بلا مشاعر.. قلوبٌ تخفق وحدها في صمت مهيب.

الأب الذي كان يتذوق بهجة الحياة ونعماءها في أحاديث طفله الطويلة عن يومه في المدرسة، أصبح لا يسمع إلا أصوات طَرْق صغيرِهِ على لوحةٍ رقميَّةٍ غَيَّبَت فلذة كبده عنه وعن العالم بأسره.

الأب الذي كان ينفتح باب قلبه على مِصْراعَيْهِ أمام ابتسامةٍ عذبةٍ بريئةٍ يراها في عَيْنَيْ طِفله، أصبح يراقب، في دهشةٍ وحيرةٍ واستنكار، تلك الضحكات البلهاء التي يطلقها صغيره وهو منكفئ على شاشة صمَّاء نسجت خيوطها حول ثمرة فؤاده فأصبحت كأنها أُمُّه وأبوه ودنياه التي يحيا بها.

الأُم التي كانت تتنسم عبق رياحين قلبها وترشف مُتَلَذِّذَةً رحيق حنان روحها، حين يتنازع صغارُها أيُّهم يفوز بالمبيت بين أحضانها، تقف اليوم مشدوهةً حائرةً عاجزة، أمام غرق أبنائها في ضوضاء الإشعارات، ووجوههم الصغيرة مطمورة خلف الشاشات، مشغولة عنها بأيقونات الإعجاب والتعليقات العابرة.

وا أسفاه على لُغة الحب التي اندثرت، فأصبحنا نعيش في مكانٍ واحد بأجسادنا، بينما أفئدتنا تائهةً في عوالم متفرقة، يحسبُنا الرائي جميعًا وقلوبُنا شَتَّى.

وا لهفتاه على كلماتنا الناصحة، أو العاتبة، أو المؤيدة، أو المعترضة، تلك الكلمات التي كانت تصنع جسرًا مُمتدًّا بين أرواحنا، فاستبدلنا بها رموزًا تعبيرية جوفاء خرساء لا تسمن ولا تغني من جوع.

والأكثر مأساوية أن الانغماس في هذا العالم الرقمي لم يعد قاصرًا على الأُسرة وحدها، بل امتد إلى أصدقائنا ومجتمعاتنا، فأصبحت لقاءاتنا مشروطة بشحن بطاريات هواتفنا وتحديثاتنا اليومية، وغدونا نعيش في ضوضاء متصلة مزعجة، لكننا في الوقت ذاته غارقون في بحارٍ من الصمت القاتل الرهيب الذي يبتلع في نَهم كل معنى من معاني دفء العلاقات الإنسانية.

كل رسالة تصل وكل تحديث يُنْشَر يزيد من مسافة صامتة بيننا، حتى أيقنت أرواحنا أنها لن تتمكن من الحديث إلا عندما تُخرَس تلك الشاشات الكئيبة العجماء.

إنها مأساة العصر الرقمي، ذلك العصر الذي اختلط فيه الواقع بالافتراضي، وتلاشت فيه الحدود بين الاتصال والانفصال، وطغى فيه تباعدنا الحقيقي على تقاربنا الظاهري.

ولنعلم أننا مهما كانت شاشاتنا مُشرقة، ومهما كانت هواتفنا مليئة بالإشعارات، فإنها ستظل شاهد عيان على فراغنا الداخلي وحُزننا الصامت الذي يزداد عمقًا مع كل تمريرة من أصابعنا على أزرارها.

في هذا الصمت الممتد يبقى الإنسان أسيرًا لشَجنٍ يتجرَّعُه ولا يكاد يُسيغه، إلا مَنْ رفع رأسه عن الشاشة ونظر إلى قلبه وإلى مَنْ حَوْلَه بعينٍ حائرة تبحث عن دفءٍ مفقود.


أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان