رسالة إلى أبنائي

رسالة إلى أبنائينسيم الهواري

الرأى3-12-2025 | 13:45

يا أبنائي.. ها أنا أضع قلبي بين أَكُفِّكُم ، وأُسْلِمُكُم عمرًا من الدعاء مُخَضَّبًا بالخوف عليكم والرجاء فيكم.

أكتب إليكم وفي صدري يقينٌ حزينٌ بأن هذا الزمان قاسٍ على الطيبين، بارعٌ في كسر أجنحة الحالمين، مُتَبَجِّحٌ في سَحْقِه للقِيَمِ في وضح النهار، غير عابئ بأنَّات المظلومين وصرخات المكلومين،

ولكنني - رغم ذلك - ما زلت مؤمنا أن في صدوركم متسعا لتكونوا استثناءً في هذا الخراب.

يا أبنائي.. لن أعدكم بأن الحياة سهلة ميسورة ولا بأن الخير غالب دائما في العيون، ولكني أعدكم بأن الثبات يجلب طمأنينة لا يعرفها المتقلبون، وبأن نقاء القلب يحرسكم من أن تتحولوا إلى نسخة باهتة من هذا العالم الذي فقد روحه.

يا أبنائي.. إياكم أن تظنوا أن النفاق سبيلٌ للنجاح، وأن المسايرة سبيلٌ للسلامة، وأن خفض الرأس سبيلٌ للعمر الطويل، فقد تعلمت - وقد شابت روحي قبل شعري - أن القلب المساوم لا يعرف سبيل السكينة، وأن الرأس المنحني عاجزٌ عن رؤية السماء، وأن الطريق المفروش بالباطل ينتهي لا محالة إلى هاوية سحيقة.

يا أبنائي.. إياكم أن تُفتنوا بتصفيق العالم من حولكم للزيف، وبمكافآته السخية للسطحيين والتافهين والكاذبين والأفاقين.. إياكم أن تفقدوا إيمانكم أمام اغتيال العالم للقِيَم في ضجيج ٍصاخب، أو أمام كسوته للباطل ثوب النجاح اللامع، فإن الزَّيْف مهما طال ليله لا شك منهزم أمام أَوْهَى شعاعٍ من النور، و القِيَم حين تُغتال لا تُدفن، ولكنها تنتظر أبناءً مخلصين ينهضون بها من أعماق الركام.

يا أبنائي.. إياكم أن تبيعوا أفئدتكم لفرحةٍ عابرةٍ خادعة، أو تؤجروا ضمائركم لمصلحةٍ مؤقتةٍ زائلة، فإن الربح الذي يُجنى من خيانة الذات لا يورث إلا الخواء.

يا أبنائي .. كونوا رُحماء في زمن تحجَّرت فيه القلوب، أنقياء في سوق تُعرض فيها الضمائر بالمزاد

كونوا كالنبع في صحراء الظمأ.. يعطي الحياة ولا ينتظر التصفيق.

كونوا كالجبل في مجاهدة العواصف.. لا يصرخ.. ولكنه يأبى الانحناء.

يا أبنائي.. اعلموا علم اليقين أن الإنسان لا يُوزَن بمقدار ما يملك من حطام الدنيا، وإنما يوزن بما لا يستطيع التنازل عنه من إيمانه وقِيَمِه وإدراكه لحقيقة الحياة..

يا ابنائي.. إياكم وصُحبة الزيف، فإن بعض الوجوه مصابيح، وبعضها دخان يخنق الضوء، وكم في هذا العصر من أصوات مرتفعة بلا معنى، ونجوم متوهجة بلا دفء، ووجوه تكتسي بالمودة والإشراق بينما تخفي قلوبا مكفهرة مظلمة.

يا أبنائي.. اختاروا صحبة تذكركم بـ الله إذا غفلتم، وبنقاء السريرة إذا شككتم، وبالحق إذا ضللتم.

اختاروا أصدقاء يشبهون المآذن، يدلونكم على السماء حين تكثر على الأرض الأصنام الجديدة.

يا أبنائي.. اعلموا أن ذكر الله صيانة للقلب من الجفاف، وأن الصلاة موعدٌ سِرِيٌّ بينكم وبين السكينة، وأن الدعاء ليس شكوى ولكنه سفر روحٍ من ضيق التراب إلى رحابة السماء.

يا أبنائي.. تمسكوا بأحلامكم مهما بدت بعيدة المنال وبصلاحكم مهما اكتنفكم الفساد، وبنور يقينكم ب الله مهما حاول الشيطان وجنوده إظلام الدنيا في أعينكم.

إذا تعثرتم يومًا فلا تخجلوا من السقوط، فالخجل كل الخجل أن تظلوا ساقطين..

انهضوا وامسحوا عن أثوابكم غبار الخيبة وواصلوا السير ولو كنتم حفاة، فإن الأقدام التي يؤلمها السير تعرف جيدا قيمة الوصول.

يا أبنائي، ليس في الدنيا ملاذٌ أشدُّ أمنًا من قلب سليم، ولا زاد أثقل وزنًا من تقوى الله والخُلق الكريم.

يا ابنائي.. احفظوا أرواحكم من صدأ اليأس وقِيَمَكم من مزاد التنازلات وإنسانيتكم من وحشة الذئاب.

يا أبنائي.. لا أملك إرثا أتركه لكم سوى هذا الحنان وتلك الكلمات، فاحملوا عني وصيتي هذه، كما يحمل المسافر في ليلٍ طويل.. مصباحه الأخير.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان