من قلب التجربة الإنسانية، حيث تتقاطع الأمومة مع العلم، خرجت قصة الدكتورة غادة عبد الرحيم، أستاذ علم النفس التربوي والصحة النفسية بجامعة القاهرة، التي استطاعت أن تحوّل رحلتها الشخصية كأم إلى مشروع علمي ومجتمعي يخدم آلاف الأسر.
فمن خلال خبرتها الأكاديمية وتجربتها الحياتية، صممت أول حقيبة علاجية متكاملة لاضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه (ADHD) للأطفال في الوطن العربي، واضعةً نموذجًا يجمع بين الفهم العلمي والاحتواء الإنساني.
تعرّف الدكتورة غادة عبد الرحيم نفسها قبل أي لقب أكاديمي بأنها أم بدأت رحلة الأمومة مبكرًا، في الحادية والعشرين من عمرها، وكبرت مع أبنائها الأربعة، وتعلّمت معهم معنى الصبر والمحاولة والخوف، وأدركت أن التربية ليست وصفات جاهزة، بل مسار إنساني طويل من التعلّم والنمو المشترك.
ولم تكن الرحلة سهلة؛ إذ واجهت تحديات كبيرة في التوفيق بين دورها كأم ومسؤولياتها الأكاديمية، حيث واصلت دراستها الجامعية، ثم الماجستير والدكتوراه، وبنت مسيرتها العلمية خطوة بخطوة، وفي الوقت ذاته أسّست مكانًا متخصصًا في اضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه (ADHD) مثل "سوبر مامي"، إلى جانب مشاركتها الفاعلة في مبادرات مجتمعية، من بينها مبادرة «أطفالنا خط أحمر» لمناهضة التحرش ضد الأطفال.
ومن واقع تجربتها الشخصية والعلمية، وُلد شغفها بكتابة كتاب "سوبر مامي"، الذي لم تقدمه بوصفها متخصصة فحسب، بل كأم عاشت التفاصيل اليومية للتربية، ودرستها علميًا، واختبرتها بصدق، فجمع الكتاب بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية والمشاعر الإنسانية الصادقة التي تمر بها كل أم تسعى لأن تكون أفضل دون أن تفقد ذاتها.
وأتاحت لها دراستها المتعمقة لاضطراب ADHD أن ترى الطفل خلف السلوك، والأم خلف القلق، وأن تشعر بمعاناة الأمهات اللواتي يواجهن اللوم وسوء الفهم، ويبحثن عن دعم قائم على الفهم لا الإدانة. ومن هذا المنطلق الإنساني قبل التخصصي، صممت الدكتورة غادة أول حقيبة علاجية متكاملة لاضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه في الوطن العربي، تعتمد على أسس علم النفس التربوي والعلاجي.
وتضم الحقيبة برنامجًا علاجيًا قائمًا على اللعب، يمكن تطبيقه داخل المنزل أو في الجلسات العلاجية، من خلال ألعاب مخصصة لتنمية مهارات التركيز والانتباه، وضبط السلوك، والتنظيم الذاتي، إلى جانب دليل إرشادي شامل موجّه للأمهات، يقدّم معلومات علمية مبسطة حول اضطراب ADHD وطرق التعامل معه.
وتؤمن الدكتورة غادة عبد الرحيم بأن التربية بالحب هي الأساس، وأن نجاح الأم لا يتحقق بالصراع أو الجدل، بل بالقرب والاحتواء، مؤكدة أن حب الأبناء ودعمهم يسبق النصيحة والتوجيه. ومن هذه القناعة، كتبت كتاب "بنت أبوها"، الذي جسّدت فيه القيم والمشاعر التي نشأت عليها، انطلاقًا من تجربتها مع والدها، لتؤكد أن الأب حين يكون أول أمان وأول صديق، تنشأ ابنة مشبعة بالحب وقادرة على العطاء.