توقفت حرب الهزيمة في الخامس من يونيو 1967 بعد أيام ستة من اندلاعها، كما وصفتها إسرائيل - بحرب الأيام الستة - نتج عن هذه الحرب المشؤومة احتلال إسرائيل للقدس والضفة الغربية - علي جبهتها مع الأردن _ ومرتفعات الجولان علي - جبهتها مع سوريا - وكل شبه جزيرة سيناء ما عدا مدينة بور توفيق الواقعة شرق قناة السويس المقابلة لبورسعيد - علي جبهتها مع مصر.. انسحبت قواتنا من شبه جزيرة سيناء من دون أن تقاتل بصورة عملية بعد أن صدرت لها أوامر عشوائية من المشير عبد الحكيم عامر فانسحبت دون أي خطط للانسحاب وخسرنا الكثير من البشر ومن العدة والعتاد، كما أوضحنا سابقًا.. بعد اليوم السادس من الحرب تمكنت القيادة الجديدة لجيشنا من حشد القليل جدًا من قواتنا علي الجبهة وقبل أن يمضي شهر يونيو أصدرت القيادة العسكرية الجديدة بعض التوجيهات، التي بلورت فيها عقيدة جيشنا العسكرية الجديدة.. هذه العقيدة.. كانت تنص علي إيمانها المطلق بقوة العزيمة وصلابة المحارب المصري وقدراته، التي لا حدود لها علي القتال معتمدًا علي الضبط والربط وسمو أخلاقي مع روح قتالية عالية دفاعًا عن الأرض والعرض؛ لاسترجاع كامل أراضينا المحتلة.. بناءً علي العقيدة الجديدة أصبح غير مسموح لقواتنا بالانسحاب أو أي ارتداد لأي فرد من الجيش المصري أو سحب أي عدة أو عتاد من خطوطنا الدفاعية علي شاطئ القناة..
لذلك لن يُصْدر من القائد العام أو أي قائد آخر أي أمر بالانسحاب أو الارتداد بل سنموت جميعا في مواقعنا الدفاعية علي الجبهة لكي نحمي أرض مصر الطاهرة.. عقيدة عسكرية كهذه كانت تصحيحا - لابد منه - لما كان سائدًا منذ العدوان الثلاثي علي مصر في عام 1956، التي كانت تسمح بارتداد الجيش في أوقات الحرب علي أن تتولي السياسة تصحيح ما يلزم.. قواتنا المصرية بعد انتهاء الحرب وعلي امتداد الجبهة التي تزيد علي 190 كيلو مترًا بذلت قصاري جهودها في تنظيم دفاعاتها بما تيسّر لها من إمكانيات محدودة.. بعد خسارة معظم عتادها ومعداتها في شبه جزيرة سيناء؛ لأن الانسحاب العشوائي لقواتنا لم يدع فرصة لجيشنا لكي يدمر معداته أو علي الأقل يعطبها قبل أن تقع في أيدي العدو.. كل ما كان علي شط القناة في ذلك الوقت كان لا يزيد علي مائة دبابة إلي جانب حوالي 150 مدفعًا.. بعد ذلك قام الاتحاد السوفيتي بتنفيذ بعض صفقات أسلحة قديمة مع مصر ومع نهاية عام 1967 أي بعد ما يقارب السبع شهور من نهاية الحرب..
استعادت قواتنا كفاءتها القتالية إلي ما يقارب 50% من قدراتها العسكرية قبل حرب يونيو.. وعلي مدار عام 1967 انعقد مؤتمر القمة العربي الشهير في الخرطوم بالسودان.. هو واحد من أهم مؤتمرات القمة العربية - من وجهة نظرنا - حيث أصدر لاءاته الثلاث الشهيرة ، لا سلام،
ولا صلح ولا اعتراف بإسرائيل.. وفيه أيضا قررت الدول العربية المنتجة للبترول الاستمرار في بيع نفطها لأمريكا وللغرب.. من حصيلة البيع تدفع تعويضات للخسائر التي لحقت بدول المواجهة الثلاث مصر و سوريا والأردن.. كان من المُقرر أن يكون نصيب مصر 120 مليون دولار لكن الأردن اشتكت من أن المبلغ المقرر لها
لا يكفي.. فتنازل عبد الناصر حينها عن 20 مليون دولار من نصيب مصر في الدعم العربي.. الذي كان تعويضًا عن وقف الملاحة بقناة السويس..
لكن في نظرنا.. النتيجة الأهم لهذه القمة كان في التصالح بين مصر و السعودية أو بين عبد الناصر والملك فيصل رحمهما الله.. علي إثر هذا التّصالح صدر قرار بسحب قواتنا من اليمن لكي تمارس دورها الأصيل في الدفاع عن تراب الوطن علي جبهة قناة السويس.. علي امتداد حرب الاستنزاف بذل عبد الناصر، ووزير حربيته الفريق فوزي، ورئيس أركان الجيش الشهيد البطل عبد المنعم رياض وقاده كل الأفرع الرئيسية بالجيش قصاري جهودهم لإقناع السوفييت بضرورة تزويد مصر بأسلحة متطورة بدلا من القديمة.. التي كانت من مخلفات الحرب العالمية الثانية..
ذكريات هذه الفترة أثبتت أن القادة المصريين كانوا يركزون في اجتماعاتهم مع نظرائهم السوفييت علي مقارنات موضوعية وعملية بين أسلحة العدو وإمكانياته المتوفرة لديه بالفعل وبين ما كان يزودنا به الاتحاد السوفيتي من أسلحة، حيث كان بها قصور حين المواجهة مع أسلحة العدو المتطورة.. فمثلا مقاتلات ميج 15 وميج 17 قصيرة المدي وخفيفة التسليح.. لم يكن بمقدورها مواجهة طائرات الميراج فرنسية الصنع والسوبر ماستير بريطانية الصنع وسكاي هوك، بعدها الفانتوم وكلتاهما أمريكية الصنع.. أيضا كان من غير الممكن أن تتصدي الدبابات السوفيتية القديمة من طراز
ت 24، التي كانت من مخلفات الحرب العالمية الثانية لدبابات إسرائيل المصنعة حديثا (حينها) من طرازي شيرمان وسنتوريوم، بالإضافة إلي أن إمكانياتنا في منظومة الدفاع الجوي والإنذار المبكر كانت علي حد كبير متخلفة مقارنة بما لدي إسرائيل من هذه المنظومات.. استمرت حرب الاستنزاف إلي حوالي منتصف عام 1970 حين قبل عبد الناصر مبادرة وزير خارجية أمريكا حينها ويليام روجرز، التي قضت بوقف إطلاق النار من كلتا الجبهتين لمدة شهور ستة.. كانت معارك حرب الاستنزاف شاقة وهائلة وكانت بطولات جيشنا في المعارك لا يجب غض النظر عنها وإهالة التراب عليها وعلي شخوصها وأبطالها.. كان علي رأسهم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كما يحاول البعض حاليا.
وللحديث بقية