في ظل التغيرات المتسارعة في سوق العمل، يزداد الحديث عن التخصصات الجامعية التي لم تعد مطلوبة بالشكل الكافي، مقابل ظهور مجالات جديدة ترتبط بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. وبين الدعوات لتقليل أعداد الخريجين في بعض التخصصات، يطرح خبراء ومفكرون تساؤلات مهمة حول الدور الحقيقي للجامعة: هل تقتصر مهمتها على إعداد موظفين ل سوق العمل فقط، أم أن لها دورًا أوسع في بناء الوعي والثقافة والحفاظ على هوية المجتمع؟
يقول الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى ب دار الإفتاء المصرية، إن الحديث عن التخصصات التي لا يحتاجها سوق العمل قد يبدو في ظاهره قرارًا منطقيًا وجريئًا، يشبه الجراحة الدقيقة التي تهدف إلى علاج مشكلة البطالة المقنّعة وتوجيه موارد الدولة نحو مجالات أكثر احتياجًا في المستقبل. فالكثير من الخريجين يصطدمون بواقع صعب بعد التخرج، نتيجة تزايد أعداد الدارسين في مجالات لم تعد قادرة على استيعابهم.
لكن الدكتور ربيع يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل وظيفة الجامعة أن تكون مجرد “مصنع لإنتاج الموظفين”، أم أنها مؤسسة معرفية تحافظ على هوية الدولة وتبني وعي المجتمع؟
ويشير إلى أن هناك تخصصات إنسانية مثل الفلسفة، والتاريخ، والآثار، واللغات القديمة، قد لا توفر فرص عمل مباشرة في السوق الرقمي الحديث، لكنها تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل الوعي الثقافي للمجتمع، وربط الحاضر بالماضي، وبناء الشخصية الفكرية للأفراد.
ويرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء هذه التخصصات، بل في تطويرها لتواكب العصر، وابتكار مسارات مهنية جديدة لخريجيها، بحيث تتكامل مع تخصصات المستقبل مثل المجالات الطبية، والتجارة والإدارة، وعلوم البيانات والتحليلات.
ويؤكد الدكتور هشام أن اكتساب المهارات والمعارف المطلوبة ل سوق العمل مسؤولية فردية أيضًا، بغض النظر عن التخصص الأكاديمي. لذلك ينصح دائمًا طلابه بضرورة تطوير أنفسهم واكتساب مهارات إضافية مثل علوم البيانات، والتسويق، والإدارة، واللغات الأجنبية، حتى يتمكنوا من توسيع فرصهم المهنية.
ويضيف أنه من المدهش أن يعمل بعض المتخصصين في مجالات علمية أو شرعية دون معرفة بهذه المهارات الحديثة، رغم أنها أصبحت جزءًا مهمًا من متطلبات الحياة والعمل.
كما يلفت إلى أن السعي لاكتساب الرزق الحلال والعمل الجاد يعد من القيم التي يحث عليها الدين الإسلامي، مستشهدًا بقوله تعالى:
{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].
كذلك حذر الشرع من الكسل والاعتماد على سؤال الناس، حيث روى الإمام البخاري في صحيحه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى».
ويختم الدكتور ربيع حديثه بالتأكيد على أن السعي في طلب الرزق الحلال والعمل والاجتهاد أفضل عند الله من الاتكال أو التكاسل، فالمجتهد الذي يعمل ويبحث عن رزقه خير من الشخص الذي يعتمد على سؤال الناس سواء أعطوه أو منعوه.