تُعد سلطنة عُمان ركيزة استقرار إقليمية، متبنيةً سياسة خارجية قائمة على "الحياد الإيجابي" والحوار، حيث تكرس جهودها لنزع فتيل الصراعات والحروب في المنطقة. وتتبنى مسقط رؤية استشرافية تعتبر الدبلوماسية أداة لحماية المصالح العليا، رافضةً التدخل في شؤون الآخرين، وساعيةً لإرساء السلام المستدام لضمان أمن واستقرار الإقليم.
وقد لعبت سلطنة عُمان دوراً محورياً كـ"وسيط نزيه" وموثوق في الملف النووي الإيراني، مستخدمةً دبلوماسية هادئة وقنوات سرية لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن منذ عام 2010. وساهمت مسقط بفعالية في تمهيد الطريق للاتفاق النووي (2015) واستمرت في استضافة مفاوضات غير مباشرة لتخفيف التوترات الإقليمية وضمان الاستقرار في المنطقة.
وفى الساعات الأولى من يوم الجمعة الموافق 13 يونيو 2025 تحولت حرب الظل بين إيران وإسرائيل إلى هجوم غير مسبوق نفذته تل أبيب ضد طهران، اندلعت على إثره حرب استمرت لمدة 12 يومًا، شاركت فيها الولايات المتحدة لفترة وجيزة عبر توجيه ضربات إلى ثلاث منشآت نووية إيرانية رئيسية.
هذه الحرب كانت من أبرز أحداث عام 2025 التي قلبت موازين المنطقة، بدأت إسرائيل الحرب بضربات جوية دقيقة اغتالت فيها مسئولين عسكريين إيرانيين، ما دفع إيران إلى الرد بضربات صاروخية في حرب أدخلت العالم في دوامة من التصعيد.
تجدر الإشارة إلى أن الهجمات الإسرائيلية بدأت قبل انعقاد جولة المفاوضات المتفق عليها بين إيران والولايات المتحدة في مسقط يوم الأحد 15 يونيو 2025، غداة انتهاء مهلة الشهرين التي قد حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي.
ولعبت عُمان دورًا محوريًا في الدبلوماسية الإقليمية التي أوقفت الحرب المدمرة التي استمرت 12 يومًا بين الخصمين إيران وإسرائيل. فقد حافظت مسقط على قنوات اتصال سرية وحيوية بين طهران وواشنطن، وسارعت، إلى جانب مصر وقطر وروسيا إلى تهدئة الأعمال العدائية ووقف إطلاق النار، ووضع نهاية للحرب، لكن من دون اتفاق بين طرفي القتال الرئيسيين يحدد مسارًا واضحًا لتسوية دائمة، وقد دخل وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران حيز التنفيذ في صباح 24 يونيو الماضي. ورغم سريان وقف إطلاق النار بين تل أبيب وطهران، إلا أن إسرائيل لوحت بإمكانية اندلاع حرب جديدة.
بالرغم من أن إدارة ترامب دأبت على تأكيد أن الخيار الأمريكي الأفضل هو اتفاق ينهي طموحات طهران النووية؛ فإن المفاوضات الأمريكية مع إيران والتي تمت برعاية ووساطة سلطنة عُمان خلال عدة جولات ما بين مسقط وجنيف، تزامنت مع حشد عسكري واسع النطاق. وفي ظل غياب النقاش الأمريكي المُعمق والغطاء البرلماني، تأجج التناقض بين خطاب يعلن تفضيل الحلول الدبلوماسية وسلوك ميداني اقترب من خيار الضربة الاستباقية وصولاً إلى شن الحرب التي دخلت شهرها الأول، إذ تتبارى التصريحات بشأن العودة إلى طاولة الحوار والدبلوماسية مجدداً.
وهنا يمكن التأكيد على الحضور العُماني الدائم في الملف النووي الإيراني منذ عام 2010، ولذلك لم تفاجئ الحرب الدائرة في المنطقة سلطنة عُمان؛ فقد كانت تتوقعها وتقرأ تداعياتها. فمنذ سنوات، كانت عُمان ترى أن دفع الإقليم نحو مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سيفتح المنطقة على طور جديد من الفوضى وعدم الاستقرار، ويفرض على العالم كلفة سياسية واقتصادية باهظة تتجاوز حدود الميدان العسكري.
لهذا لم تتعامل عُمان مع التوتر المتصاعد في المنطقة بوصفه أزمة عابرة، وإنما بوصفه مسارا ينذر بلحظة انفجار كبرى. ومن هنا جاء انخراطها المبكر في مساعي التهدئة، ثم في الجهد الدبلوماسي الذي أثمر التوصل إلى اتفاق «خطة العمل الشاملة المشتركة» في يوليو 2015. وقد بدا آنذاك أن نافذة حقيقية فُتحت أمام المنطقة لتجنب الأسوأ. لكن خروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق بعد ثلاث سنوات أعاد الأزمة إلى مسارها الأكثر خطورة، وأطاح بما تحقق من توازن دقيق.
ومع ذلك لم تتراجع عُمان عن دورها الدبلوماسي، فقد واصلت العمل لإحياء مسار التفاهم، وسعت خلال العام الماضي 2025 إلى الدفع بوساطة بدت واعدة في مراحلها المختلفة، قبل أن يقطعها التصعيد العسكري. ثم عادت، مع تجدد الأزمة هذا العام 2026، إلى محاولة فتح الطريق أمام اتفاق كان يمكن أن يحقق للأطراف ما عجزت عنه الحرب. غير أن الأطراف التي تتخذ الحرب خيارا استراتيجيا لا تنظر إلى السلام بالمنظار نفسه، ولا تسمح بسهولة لفرص التسوية أن تنضج.
وحين وقعت الحرب في 28 فبراير 2026 والتي دخلت شهرها الأول، تكشفت سريعا حقيقة ما كانت عُمان تحذر منه، إذ امتدت آثار الحرب إلى ما هو أبعد من الضربات العسكرية المباشرة، فطالت الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحسابات الأسواق، ومعدلات النمو، ومخاوف التضخم والركود في أكثر من مكان في العالم. وما بدأته الحرب في الإقليم لم يبقَ شأنا إقليميا خالصا، لأن هذه المنطقة تحتل موقعا بالغ الحساسية في معادلة الاقتصاد العالمي.
ورغم ذلك، فإن عُمان ما زالت تتحرك للحد من اتساع الحرب، ومنع تداعياتها من التفاقم، والعمل على إعادة الاعتبار للدبلوماسية قبل أن يصبح الانفجار أشد اتساعا وأقل قابلية للاحتواء.
وهذه الجهود التي يقودها السلطان هيثم بن طارق، ووزارة الخارجية والجهات المعنية، تنطلق من فهم دقيق لطبيعة الإقليم ولدلالات هذه الحرب على المدى القريب والبعيد.
فقد أجري السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، اتصالات مكثفة لاحتواء التوترات الراهنة وتسوية الأزمات الإقليمية عبر الوسائل السلمية، حيث تلقى السلطان هيثم اتصالاً من الرئيس عبد الفتاح السيسي للتشاور بشأن احتواء التصعيد الراهن في المنطقة، وتم التأكيد على دعم مصر لجهود السلطنة في الوساطة، مع التركيز على دعم جهود الوساطة بين الأطراف الدولية (مثل الأميركي والإيراني)، وذلك في إطار جهود السلطنة لضمان استقرار المنطقة.
وأجرى بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العماني، اتصالات دبلوماسية مكثفة شملت عدداً من وزراء الخارجية العرب والإقليميين، بما في ذلك اتصالات مع وزير الخارجية بدر عبدالعاطي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تركزت الاتصالات على وقف العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وضرورة التهدئة، واستخدام الوسائل السلمية لحقن الدماء وحماية الأمن والاستقرار الإقليمي، تزامناً مع جهود إقليمية لخفض التصعيد في الشرق الأوسط.
لقد أثبتت الوقائع وتطورات الأحداث في الإقليم أن التحذير العُماني من الحرب كان يستند إلى قراءة واقعية لما يمكن أن تفضي إليه حرب مفتوحة في هذه المنطقة. والعالم اليوم في حاجة إلى أن يصغي أكثر إلى هذا الفهم، لأن وقف الحرب صار ضرورة لحماية الإقليم من الانهيار، وحماية الاستقرار الدولي من مزيد من التصدع.
ومن هنا يأتي الطرح الذي قدمته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إيران لوقف الحرب، يتضمن 15 بنداً، من بينها تفكيك برنامج طهران النووي، ووقف تخصيب اليورانيوم، مقابل رفع كامل للعقوبات، ومن المأمول أن تنجح الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب وتداعياتها الاقتصادية والإستراتيجية على إقليم الشرق الأوسط والخليج والعالم.