في عالم أدب الرعب، تتقاطع التجارب الشخصية مع الخيال لتشكّل عوالم سردية قادرة على إثارة الخوف والتأمل معًا.
ومن بين الأصوات العربية التي اختارت هذا اللون الأدبي، تبرز الكاتبة هبة عبداللطيف بوصفها واحدة من الأسماء التي سعت إلى تقديم الرعب في إطار يحترم العقل والمنطق، ويوازن بين الفكرة واللغة والبناء الدرامي.
في هذا الحوار، تفتح لنا الكاتبة نافذة على رحلتها مع الكتابة، وبداياتها الأولى، وتأثير القراءات والتجارب الشخصية في تشكيل مشروعها الأدبي.
كيف بدأت علاقتكِ بالكتابة و أدب الرعب تحديدًا؟

بدأت علاقتي بالكتابة و أدب الرعب منذ الطفولة، في المرحلة الابتدائية، حيث كنت أكتب قصصًا بسيطة، ومع الوقت تحول الأمر إلى شغف يتطلب المزيد.
هنا جاء دور القراءة، وكان لأسرتي دور مهم في توفير الكتب، خاصة تلك التي تميل إلى ما وراء الطبيعة والتشويق والإثارة.
كما ساهمت السينما العالمية، بما لها من تاريخ طويل في هذا اللون، في تعميق هذا الشغف وتوسيع مداركي.
ما أول تجربة كتابية لكِ، وهل كانت في مجال الرعب؟

أول نص كتبته لم يكن في الرعب، بل كان ضمن مسابقة جامعية في القصة القصيرة حول القضية الفلسطينية، وشاركت بقصة بعنوان "عيون الحمائم" التي تناولت النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد حصلت بها على المركز الأول على مستوى الجامعة.
متى بدأتِ أولى خطواتكِ الفعلية في أدب الرعب؟

في عام 2018 شاركت في مسابقة لإحدى دور النشر في مجال أدب الرعب، وقدمت أول قصة لي بعنوان "شجرة الموتى"، وفزت بالمسابقة، وتم نشر القصة ضمن مجموعة قصصية بعنوان "صندوق الدنيا" ضمت أعمال عدد من المواهب الفائزة.
لم أكن أتوقع الاستمرار وقتها، لكني وجدت في هذه التجربة فرصة حقيقية لتحقيق حلم كبير كنت أسعى إليه.
من هم الكتّاب الذين تأثرتِ بهم في هذا المجال؟

لا شك أن هناك العديد من الكتّاب المميزين، لكنني أنتمي في تكويني إلى مدرسة الكاتب الأمريكي ستيفن كينج، الذي يُعد الأب الروحي لأدب الرعب، حيث جمعت كتاباته بين الرعب النفسي و الرعب الخارق والخيال العلمي، وهو نموذج فريد يستحق الدراسة والتعلم منه.
ما الذي يميز أسلوبكِ في كتابة أدب الرعب؟

أحرص على احترام العقل والمنطق في كتاباتي، حيث يتنوع المحتوى بين الفانتازيا في بعض الأعمال، والصراع الأزلي بين الإنسان والشيطان، إضافة إلى الرعب النفسي.
لا أعتمد على الرعب الدموي المباشر، بل أقتحم عوالم أخرى من خلال الخيال أحيانًا، أو عبر مزج الأسرار بالواقع أحيانًا أخرى.
أميل إلى ما يمكن وصفه بـ"الخوف الراقي" القائم على الترقب والتركيز أكثر من الاعتماد على التوتر والهلع، مع استخدام لغة فصحى بسيطة، وقد قدمت أيضًا عملًا بالعامية المصرية استجابة لرغبة الجمهور، وهو رواية "نواضر" التي حققت نجاحًا ملحوظًا وطالب القراء بجزء ثانٍ منها.
كيف تتعاملين مع نهايات الأعمال الروائية؟

النهايات لديّ تختلف حسب طبيعة كل عمل؛ فقد استخدمت النهايات المفتوحة في بعض الروايات، والنهايات المغلقة في أعمال أخرى، وفق ما يتطلبه البناء الدرامي لكل قصة.
كيف ترين مسألة حضور المرأة في أدب الرعب؟ وهل واجهتِ تحديات في هذا السياق؟

حضور المرأة في أدب الرعب يمثل تحديًا كبيرًا، وهو أحد الأسباب التي دفعتني لاقتحام هذا المجال رغم قدرتي على كتابة أنواع أدبية متعددة.
هناك من يرى أن القلم النسائي أقل حضورًا مقارنة بالرجال، وأنا أرفض هذا التصنيف في الفن والكتابة.
كان هذا التحدي دافعًا لي لتقديم أعمال تثبت العكس، مثل رواية "حلاب النجوم"، التي تلقيت بشأنها إشادات من قراء رجال، ومنهم من قال إن الرواية كسرت لديهم فكرة "القلم النسائي"، وهو ما اعتبرته نجاحًا مهمًا يؤكد أن الحكم في النهاية يكون على العمل نفسه وليس على جنس الكاتب.
هل تناولتِ قضايا اجتماعية أو نسوية داخل أعمالكِ؟

نعم، تناولت بعض القضايا الشائكة، مثل قضية الاعتداء من المحارم، وذلك في رواية "انتقام روح" الصادرة عام 2019، حيث مزجت هذه القضية ضمن إطار رعب اجتماعي ونفسي. كانت تجربة جريئة نظرًا لحساسية الموضوع، لكنها لاقت نجاحًا كبيرًا، وتم التوصية بها من قبل جائزة كتارا في نفس العام وترشيحها للجمهور.
إلى أي مدى أثرت التجارب الشخصية في كتاباتكِ؟

مررت بتجربة مرعبة بالفعل أثرت فيّ بشكل كبير، وجعلتني أؤمن بوجود هذا العالم مهما اختلفت الآراء حوله.
هذه التجربة منحتني رؤية مختلفة دعمت شغفي بهذا اللون الأدبي، وأثرت في طريقة تعاملي مع فكرة الرعب نفسيًا وفنيًا.
لماذا تميلين إلى الرعب النفسي تحديدًا؟
أرى أن الرعب النفسي هو الأكثر عمقًا وخطورة مقارنة بأنواع الرعب الأخرى، لأن النفس البشرية بحد ذاتها تحمل جوانب مرعبة للغاية، وقد تكون مصدرًا للخوف أكثر من أي عنصر خارجي.
ما نوع ردود الفعل التي تفضلينها من القراء؟
أكثر ما يسعدني هو ردود الفعل التي تحمل طابع التأمل، لأنها تعني أن القارئ لم يتوقف عند حدود الخوف أو الدهشة، بل تجاوزها إلى التفكير والتحليل.
كيف تتعاملين مع القراء الذين لا يفضلون أدب الرعب؟
أحترم اختلاف الأذواق تمامًا، فليس كل القراء يفضلون أدب الرعب. لذلك أحرص على تقديم محتوى آخر لهم، مثل التحليلات الفنية للمسلسلات والأفلام من وجهة نظر مختلفة، وقد لاقت هذه الأعمال استحسانًا لدى الجمهور.
كيف ترين وضع الأدب في مصر حاليًا؟
الوضع الأدبي في مصر يحتاج إلى دعم كبير بشكل عام، وليس أدب الرعب فقط. هذا النوع تحديدًا أصبح مساحة مفتوحة أحيانًا لغير الموهوبين أو لمروجي المعلومات المضللة، مما يستدعي وجود رؤية ثقافية أعمق لمعالجة التحديات وتطوير المشهد الأدبي.
ما هي الأعمال الأقرب إلى قلبكِ من بين كتاباتكِ؟
أعتز بجميع أعمالي، لكن هناك أعمالًا أقرب إلى قلبي مثل "انتقام روح"، و"حلاب النجوم"، و"نواضر"، لما حملته من تجارب فنية وإنسانية مميزة في مسيرتي.
ما طموحاتكِ المستقبلية في الكتابة؟
أسعى إلى تحويل أعمالي الأدبية إلى أعمال درامية في المستقبل، إن شاء الله، بما يتيح لها الوصول إلى جمهور أوسع في أشكال فنية مختلفة.
هل هناك عمل تتمنين إعادة كتابته؟
لا أرى ضرورة لإعادة كتابة أي من أعمالي، حتى روايتي الأولى "زارينا"، التي أعتز بها رغم ما قد تحتويه من أخطاء بسيطة، لأنها تمثل لحظة ميلادي الثقافي والفني وبداية رحلتي الحقيقية في الكتابة.