حذّر المدير العام لل وكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي، من تسارع ملحوظ في قدرات كوريا الشمالية النووية، مؤكدًا أن بيونج يانج تشهد "زيادة خطيرة للغاية" في إنتاج المواد الانشطارية وتوسيع البنية التحتية المرتبطة ببرنامجها النووي.
وأوضح جروسي أن كوريا الشمالية تعمل بنشاط على تعزيز قدراتها في تخصيب اليورانيوم وإنتاج المواد اللازمة للأسلحة النووية، في وقت تعاني فيه ال وكالة الدولية للطاقة الذرية من نقص الوصول إلى مواقع رئيسية، ما يحد من قدرتها على التحقق من الحجم الحقيقي للبرنامج.
وتشير هذه المعطيات إلى أن البرنامج النووي الكوري الشمالي لم يعد في حالة جمود أو قابلًا للتفاوض السريع، بل يتجه نحو مرحلة أكثر نضجًا وتوسعًا، مدعومًا أيضًا بعلاقات دفاعية متنامية مع روسيا. في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تتمسك رسميًا بهدف "نزع السلاح النووي الكامل" من شبه الجزيرة الكورية، موقف يعكس توافقًا سياسيًا ممتدًا لعقود، غير أن التطورات الأخيرة تظهر تزايد ابتعاد هذا الهدف عن الواقع، ما يطرح تساؤلات حول جدوى الاستمرار في تبني إستراتيجية قد لا تكون قابلة للتحقيق. وترى مجلة "نيوزويك" الأمريكية، أن الإصرار على هذا الهدف قد يؤدي إلى إهدار الوقت والموارد، في ظل تسارع البرنامج النووي الكوري، ما يجعل أي مفاوضات محتملة تدور حول "هدف متحرك" يزداد قوة بمرور الوقت.
وشهدت العلاقات بين واشنطن وبيونج يانج، انفراجة مؤقتة خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، التي بلغت ذروتها في قمة سنغافورة عام 2018، مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، ورغم خفض التوترات حينها، لم تسفر المحادثات عن خطوات ملموسة لنزع السلاح النووي. تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا، مع تسارع وتيرة تطوير الأسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية عابرة للقارات قد تضع الأراضي الأمريكية ضمن نطاق التهديد.
وفي ظل هذا الواقع، يطرح خبراء خيار التحول من هدف "نزع السلاح الكامل" إلى مقاربة أكثر واقعية تقوم على "ضبط التسلح"، عبر اتفاقات مرحلية تشمل تجميد البرنامج أو فرض قيود عليه وتعزيز الشفافية. ورغم أن هذا النهج لا ينهي التهديد النووي، إلا أنه قد يسهم في تقليل المخاطر واحتواء التصعيد في واحدة من أخطر بؤر التوتر العالمية. ويتزامن تحذير الوكالة الدولية مع تركيز أمريكي مكثف على الملف الإيراني، في ظل الحرب الجارية بالشرق الأوسط، ما قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام النسبي بالملف الكوري الشمالي، رغم كونه تهديدًا قائمًا بالفعل وليس افتراضيًا.
وعلى عكس إيران، التي لم تصل بعد إلى إنتاج سلاح نووي، تمتلك كوريا الشمالية بالفعل ترسانة نووية متنامية، وتواصل تطوير قدراتها بوتيرة متسارعة.
ويرى محللون تحدثوا لـ"نيوزويك" أن المرحلة المقبلة من السياسة الأمريكية تجاه كوريا الشمالية ستعتمد على مدى استعداد واشنطن لمواءمة أهدافها مع الواقع، فالإبقاء على هدف نزع السلاح الكامل قد يحافظ على الاتساق الدبلوماسي، لكنه قد يعيق التوصل إلى حلول مرحلية قابلة للتنفيذ. وحال قرر ترامب إعادة فتح قنوات التفاوض مع بيونج يانج، فإن نجاحه سيعتمد ليس فقط على أسلوبه الدبلوماسي غير التقليدي، بل أيضًا على قدرته على تبني مقاربة أكثر واقعية تعترف بتغير موازين القوى.