فى رمضان الماضى، وخلال مناسبة نظمتها الجامعة البريطانية، التقيت الدكتورة ثريا بدوى رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، الحديث رغم قصره كان مبشرًا ومفعمًا بحماس كبير لديها حول المؤسسات الصحفية وكيفية مواجهة وحل المشاكل والتحديات التى تواجهها، وتعظيم دورها كونها أحد أهم أذرع القوة الناعمة المصرية، تذكرت هذا الحديث عندما رأيت الدكتورة ثريا فى ضيافة الهيئة الوطنية للصحافة الأسبوع الماضى، تتحدث عن نفس الموضوع وتتبادل مع الهيئة الرؤى والأفكار حول المؤسسات الصحفية القومية وكيفية تطويرها.
فى هذا السياق تأتى كلمات المقال هذا الأسبوع، منسوجة بحنين وحمية من يدافع عن بيته، فالحديث عن المؤسسات الصحفية القومية، ليس حديثا عن مجرد صروح خرسانية عتيقة تسكن شوارع القاهرة، بل حديث عن ذاكرة أمة سُجلت تفاصيلها بين ثنايا المانشيتات والعناوين والافتتاحيات على مدار أكثر من قرن ونصف، والهجوم الذى يشنه البعض بين الحين والآخر على هذه المؤسسات القومية العريقة، هو هجوم يفتقر فى معظمه إلى الموضوعية، ويتجاهل عن عمد أو جهل الدور «الوجودى» الذى تلعبه هذه المؤسسات كظهير شعبى وحائط صد فى معركة «الوعى» التى هى أقدس معاركنا الآن وفى المستقبل.
لذلك من الواجب الوطنى والواجب الشخصى أيضا فأنا واحدًا من أبناء هذه المؤسسات وأدين بالفضل والولاء لها، الدفاع عنها بكل قوة أوتينا إياها وفى هذا السياق، لا يجب أن نغفل الدور المحورى والجهود الحثيثة التى تبذلها الهيئة الوطنية للصحافة، بقيادة المهندس عبد الصادق الشوربجي، الذى استطاع بمشرط جراح أن يضع يده على مواطن الخلل ويطلق مسيرة إصلاح شاملة، فالهيئة اليوم لا تعمل فقط كجهة تدير، بل كشريك استراتيجى فى عملية إعادة الهيكلة والتطوير، حيث قطعت شوطًا كبيرًا فى تحديث النظم المالية والإدارية، وسعت لتطوير المحتوى الصحفى سعيا حقيقيا وليس مجرد شعارات، متجسدًا فى تشكيل لجان تطوير مهنى تراجع السياسات التحريرية دوريًا، وتدفع بقوة نحو «التحديث الرقمى» من خلال إنشاء بوابات إلكترونية حديثة تواكب لغة العصر، والأهم من ذلك، هو تلك الرؤية الاقتصادية الثاقبة التى تتبناها الهيئة للاستغلال الأمثل لأصول المؤسسات غير المستغلة، وتحويلها إلى مشروعات تنموية (كالمدارس والجامعات) تضمن تدفقات مالية مستدامة، مما يسهم فى تحقيق التوازن المالى المنشود، حتى تظل المؤسسات القومية قوية وقادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه أبنائها.
وعلى الجانب الآخر، يبرز الدور الحيوى والمقدر للجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، برئاسة الدكتورة ثريا بدوى، التى تضع ملف المؤسسات القومية على رأس أولوياتها كقضية أمن قومى بامتياز، فقد أثبتت اللجنة، ومن خلال تحركاتها الأخيرة واجتماعاتها المكثفة، أنها «الظهير التشريعى» الحقيقى الذى يسعى لتفكيك العقد المزمنة التى تواجه هذه الصروح.
لقد أظهرت الدكتورة ثريا بدوى، ومعها أعضاء اللجنة، تفهمًا عميقًا لطبيعة التحديات، خاصة فى ملف «الديون السيادية» (ضرائب وتأمينات)، حيث تعهدت اللجنة بتبنى مطالب المؤسسات القومية ومعالجتها من خلال مشروعات قوانين مستقبلية بالتعاون مع الحكومة، وهذا التناغم بين السلطة التشريعية والهيئة الوطنية للصحافة يعكس بلا شك إرادة حقيقية ليس فقط للحفاظ على المؤسسات، بل لتحويلها إلى كيانات عصرية ومنتجة، فاللجنة تمارس دورًا «حمائيًا» ضد أى محاولات لتهميش دور الصحافة القومية، مؤكدة أن بقاء هذه المؤسسات وتطورها هو الضمانة للحفاظ على الهوية الوطنية ونشر الوعى فى مواجهة الشائعات.
ولا يمكننا الحديث عن نهضة حقيقية دون وضع حلول جذرية لعدد من الملفات المهمة، وأحد المسارات الممكنةهو إعادة هيكلة الديون عبر جداول زمنية طويلة، مرتبطة بمعدلات نمو الإيرادات الفعلية، وليس أرقامًا تقديرية، وأيضًا دراسة تحويل جزء من هذه الديون إلى مساهمات رأسمالية للدولة، بما يخفف الضغط النقدى، ويمنح المؤسسات فرصة لإعادة بناء نموذجها الاقتصادى، وفى المقابل، لا بد من التزام صارم من جانب المؤسسات بضبط الإنفاق، وتحسين الإدارة المالية، وتعظيم الإيرادات، فالمطلوب ليس مجرد تحقيق عائد سريع، بل خلق تدفقات مالية مستدامة، هذا يتطلب شراكات ذكية، وإدارات متخصصة، وشفافية كاملة فى الطرح والتنفيذ.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون التوقف أمام ملف العاملين، سواء الصحفيين أو الإداريين، فالتحدى هنا مزدوج، الحفاظ على الحقوق، وفى الوقت نفسه رفع الكفاءة، وملف المؤقتين تحديدًا يحتاج إلى حسم عادل ومنظم، لأن استمرار هذا الوضع يخلق حالة من عدم الاستقرار، ويؤثر على الأداء، والحل فى وضع معايير للتعيين، ترتبط بالاحتياج الفعلى والكفاءة، كما أن ضعف رواتب الصحفيين لم يعد مجرد شكوى مهنية، بل أصبح خطرًا على جودة المهنة نفسها، فالصحفى الذى لا يحصل على دخل كافٍ لن يستطيع التفرغ، ولن يكون محصنًا ضد الضغوط، ورفع الرواتب ليس قرارًا بسيطًا، لكنه أيضًا ليس رفاهية، لكن يمكن التفكير فى حلول تدريجية، مثل ربط جزء من الدخل بالأداء، وتوسيع مصادر الدخل من خلال المنصات الرقمية، والمحتوى المدفوع، والخدمات الإعلامية، وفى الوقت نفسه، لا بد من وجود حد أدنى عادل يضمن كرامة الصحفى، ويعيد للمهنة جاذبيتها، ونضيف إلى ذلك مسألة فى غاية الأهمية وهى التدريب، فالعالم يتغير بسرعة، والإعلام فى قلب هذا التغيير، وصحافة البيانات، الذكاء الاصطناعى، الإنتاج متعدد الوسائط.. كلها أشكل من العمل الصحفى لم تعد رفاهية، فلماذا لا يتم إنشاء منظومة تدريب مستمرة، وليست دورات موسمية، وعمل شراكات مع جامعات ومراكز دولية، وبرامج داخلية متقدمة، وإتاحة الفرص للشباب لاكتساب مهارات جديدة، والتدريب هنا ليس فقط للصحفيين، بل للإداريين أيضًا، لأن الإدارة الحديثة أصبحت علمًا قائمًا بذاته.
ولا يمكن الحديث عن إعلام قوى دون تدفق معلومات، لأن غياب البيانات الدقيقة يفتح الباب للشائعات، ويضعف قدرة الصحفى على أداء دوره، لذلك إقرار وتفعيل قانون لحرية تداول المعلومات لم يعد مطلبًا نخبويًا، بل ضرورة عملية، فالمؤسسات القومية يمكن أن تكون المستفيد الأول من هذا القانون، لأنه يمنحها ميزة الوصول إلى المعلومات الموثوقة، وفى المقابل، يجب أن يقترن ذلك بمسئولية مهنية صارمة فى استخدام هذه المعلومات.
ولا أفشى سرًا حينما أقول أن الرهان الحقيقى لمستقبل المؤسسات القومية هو قدرتها على التحول إلى منصات متعددة، فالصحيفة الورقية لم تعد كافية، لذلك لابد من إعادة تعريف المنتج الصحفى نفسه، محتوى سريع، دقيق، متنوع، يصل إلى الجمهور عبر الهاتف قبل الورق، فالاستثمار فى التكنولوجيا، وفى فرق رقمية محترفة، خيارا لم يعد يحتمل التأجيل.
أقولها مرة أخرى ليس دفاعا فقط عن المؤسسات القومية التى أشرف أن أكون أحد أبنائها، بل من أجل صحافة مصرية رائدة كما كانت طوال تاريخها: نحن لا نحتاج إلى «إعلام جديد»، فمصر هى «آدم الإعلام» فى المنطقة، بل نحتاج إلى «إعلام مختلف» يخرج إلى رحاب «التفاعلية»، والتطوير يجب أن يكون فى «البنية والفكر» معًا.
إننا نقف الآن على أعتاب مرحلة إعلامية جديدة، تتسم بالاحترافية والشفافية، والهدف الأسمى هو «تقديم إعلام يليق بمصر»، لذلك ستبقى المؤسسات القومية «منارات الوعى»، فهي لم تكن يومًا عبئًا، بل كانت ومازالت «الدرع والسيف» فى معركة البناء والوجود.