على مدار ما يقرب من نصف قرن مضت، ظل ما يُعرف فى الأدبيات السياسية بـ " السلام البارد" هو السمة الغالبة على العلاقات الرسمية بين القاهرة و تل أبيب ، بالتوازى مع الرفض الشعبى القاطع للتطبيع مع القتلة والسفاحين الصهاينة.. صحيح نجحت المعاهدات فى ضبط الحدود والاتفاقيات الأمنية، لكنها وقفت عاجزة تمامًا عند حدود الوعى المصرى العميق، واليوم مع محاولات التسلل إلى دول الإقليم عبر "التطبيع الروحى" أو الثقافى - والدخول من بوابة الاتفاقيات الإبراهيمية لإعادة صياغة "هوية دينية وثقافية مشتركة" بين العرب واليهود الصهاينة ، يتجدد السؤال: كيف ينجح الوعى المصرى فى التحصن ضد هذه الاختراقات الناعمة؟!
في رأيي أن أول خطوط الدفاع المضاد تتجلى فى قدرة رجل الشارع البسيط، على الفصل الصارم بين مقتضيات السياسة البرجماتية للدولة، وبين ثوابت الهوية الوطنية ، المصريون يتفهمون أن الدولة قد تبرم اتفاقيات تجارية أو حدودية ( اتفاقيات الغاز أو الكويز أو ترسيم الحدود) انطلاقًا من مصالح اقتصادية أو جغرافية، لكن هذا التفهم لا ولم يترجم شعبيًا إلى "قبول وجدانى وثقافى"، ومنذ اتفاقية السلام وحتى اليوم صار هذا الفصل أشبه بجدار حصين يحمى الهوية الشعبية من أن تذوب فى قوالب التوجيه السياسى الخارجى.
ولم تكن مقاومة التطبيع فى مصر يومًا عملاً عشوائيًا، ففى ظهر المواطن كان هناك دائما هذا السند المؤسساتى الذى تمثل فى الثالوث الحارس: الأزهر ، الكنيسة ، والنقابات المهنية، الصحفيين، المحامين، الأطباء، والسينمائيين، هذه المؤسسات الراسخة شكلت على الدوام حصنًا منيعًا ضد أى محاولة للتسلل أو التطبيع مع العدو التاريخى.. ووقف الأزهر الشريف تاريخياً، ولايزال، بالمرصاد لكل الطروحات التي تحاول تمييع العقائد لخدمة أجندات سياسية، وأحدثها تلك الهجمة الشرسة الحالية لما يسمى " الدين الإبراهيمي الجديد "، وسارت الكنيسة القبطية المصرية على ذات الدرب التاريخى برفض أي قفز فوق حقوق الشعب الفلسطيني.
أما النقابات المهنية والعمالية فمثلت "قوات الردع السريع" ضد أى محاولة للاختراق الثقافى، معتبرة أن المقاطعة ليست موقفًا سياسيًا عابرًا، بل التزامًا أخلاقيًا بهوية الأمة.
وإذا كانت الدولة المصرية تنفذ الآن مشروعًا تنمويًا عملاقًا فى جنوب سيناء تحت اسم "التجلي الأعظم" فى المثلث المقدس (سانت كاترين والوادي المقدس طوى) استنادا إلى مرجعية دينية، وعقيدية تعترف بالأديان الكتابية الثلاثة، وبمكانة سيناء فى الروايات المقدسة، وما ورد فى القرآن تحديدًا فى قصة نبى الله ورسوله موسى عليه السلام، فذات المرجعية هى التى ترفض خلط الدين بالسياسة، أو توظيف الأديان للتخديم على المشروع الصهيونى الاستعمارى، وهنا يتجلى تحصينًا ذاتيا آخر نابعًا من إدراك المصريين جيدًا الفارق بين تطوير أرضنا المصرية لتقديم رسالة سلام وتسامح حقيقية للعالم تليق بتاريخنا، وبين محاولات قوى خارجية لاستغلال هذه المشاريع كمنصات لتمرير "تطبيع شعبي" يفرض واقعًا جديدًا، والوعى المصرى هنا يتحرك برادارين: يدعم تعمير سيناء وتنميتها عسكريًا ومدنيًا، ويقطع أى يد تحاول تسييس جغرافيتها الروحية لصالح الروايات الإسرائيلية المكذوبة والأسطورية.
وعلى الرغم من شراسة الهجمة فلست خائفا لكن حتما لابد من توصيل الرسالة، واعتبروا هذا الكلام بمثابة نوبة صحيان ضد محاولات إعادة هندسة العقل المصرى عبر "التطبيع الروحى" هذه المحاولات التى ستظل تصطدم بصخرة هذا الشعب الذى لا يمكن تزييف وعيه بـ"شعارات براقة"؛ وإذا كانت الدولة تبدى مرونة سياسية فى إدارة أزمات المنطقة المعقدة، ففى المقابل هناك صلابة شعبية وفكرية مطلقة تحرس الذاكرة الوطنية، وسينتهى السياسيون والمشاريع، ويبقى وعى مصر حارسًا أمينًا لهويتها وعروبتها.