الإمساك عند الأطفال ليس مجرد عرض بسيط عابر كما يعتقد البعض، بل قد يكون حالة مزمنة خفية تمتد لسنوات دون ملاحظة واضحة من الأهل، وتنعكس على صحة الطفل الجسدية والسلوكية بشكل أوسع بكثير مما يتوقعه كثيرون.
ويؤكد الدكتور محمود عبد الرازق، استشاري الأطفال وحساسية ومناعة وتغذية الأطفال، أن المشكلة تبدأ عندما لا يتم تفريغ القولون بشكل منتظم، مما يؤدي إلى تراكم البراز تدريجيًا داخل الأمعاء، ومع مرور الوقت يتمدد القولون تدريجيًا كما لو كان “بالونًا” مملوءًا، وهو ما يفتح الباب أمام سلسلة من الاضطرابات الصحية.
تراكم مزمن
يوضح عبد الرازق أن استمرار الإمساك لفترات طويلة يؤدي إلى تمدد القولون واحتباس كميات من البراز داخله، وهو ما يسبب ضغطًا مستمرًا على جدار الأمعاء، ومع الوقت تبدأ الأعراض في الظهور بشكل تدريجي ومتنوع.
ويضيف أن جدار القولون يحتوي على خلايا عصبية حساسة، ومع تراكم البراز يحدث تهيج لهذه الأعصاب، ما يؤدي إلى شعور الطفل بألم وتقلصات متكررة في البطن.
ضغط داخلي
ويشير إلى أن امتلاء القولون والمستقيم بالبراز قد يؤدي إلى ضغط مباشر على المثانة البولية، نظرًا لقربها التشريحي، وهو ما يسبب اضطرابًا في عملية التبول.
ويشرح أن هذا الضغط قد يؤدي إلى عدم تفريغ المثانة بشكل كامل، ما يهيئ لحدوث التهابات متكررة في المسالك البولية، وقد يظهر الطفل بأعراض مثل كثرة التردد على الحمام، أو خروج كميات قليلة من البول بشكل متكرر، وهي أعراض قد تفسر بشكل خاطئ على أنها مشكلة في المثانة فقط.
اضطراب الهضم
كما يؤكد استشاري الأطفال أن تمدد القولون بالبراز قد يضغط أيضًا على أجزاء أخرى من الجهاز الهضمي، خاصة المعدة، مما ينعكس على شهية الطفل بشكل مباشر.
ويظهر ذلك في صورة فقدان الشهية، أو شعور الطفل بالشبع السريع بعد كميات قليلة جدًا من الطعام، وهو ما يثير قلق الأهل ويجعلهم يعتقدون أن المشكلة غذائية أو نفسية فقط، بينما يكون السبب الأساسي هو الإمساك المزمن.
أعراض متداخلة
ويؤكد أن الإمساك المزمن عند الأطفال قد يظهر في صورة مجموعة واسعة من الأعراض التي قد تبدو غير مرتبطة ببعضها، ومنها:
ألم مزمن في البطن لا يستجيب للعلاج التقليدي
آلام متكررة في المعدة
التهابات متكررة في المسالك البولية وارتفاع حرارة غير مفسر
تشخيصات خاطئة في بعض الحالات مثل الاشتباه في حمى البحر المتوسط
فقدان الشهية المستمر والشعور الدائم بالامتلاء
تبول لا إرادي أولي أو ثانوي غير مستجيب للعلاج
الإمساك الخفي
ويشير عبد الرازق إلى أن بعض الحالات تصل إلى مرحلة ما يعرف طبيًا بـ“الإمساك الخفي”، حيث لا يشتكي الطفل أو الأهل بشكل مباشر من الإمساك، بل تظهر فقط الأعراض الثانوية التي تؤدي إلى تشخيصات خاطئة متعددة.
وفي هذه الحالات، قد يعاني الطفل من الإمساك لسنوات دون إدراك حقيقي من الأسرة لوجود المشكلة الأساسية، مما يؤدي إلى سلسلة من العلاجات غير المجدية التي تستهدف الأعراض وليس السبب الحقيقي.
التشخيص الدقيق
ويؤكد أن تشخيص الإمساك المزمن لا يعتمد فقط على الأعراض الظاهرة، بل يمكن الاعتماد أيضًا على مجموعة من الأسئلة الإكلينيكية التي تُطرح على الأهل والطفل، وفي حال توافر عدد معين من الإجابات الإيجابية يتم تأكيد وجود الإمساك المزمن.
كما يمكن استخدام بعض الفحوصات البسيطة والأشعات العادية منخفضة التكلفة، والتي قد تُظهر تراكم البراز داخل القولون بشكل واضح، ما يساعد في تأكيد التشخيص بشكل سريع ودقيق.
العلاج ونمط الحياة
ويشدد استشاري الأطفال على أن علاج الإمساك ليس علاجًا سريع المفعول، بل قد يمتد لفترات طويلة نسبيًا، ويعتمد بشكل أساسي على تعديل نمط الحياة والنظام الغذائي للطفل.
ويؤكد أن الالتزام بالنظام العلاجي والغذائي الصحيح هو العامل الأساسي في نجاح العلاج، مشيرًا إلى أن تحسين نمط التغذية وحركة الأمعاء يمثل حجر الأساس في التعامل مع هذه الحالات.