بعيدًا عن قصور الخلفاء وكتب المؤرخين التي انشغلت بسير الحكام والحروب، تكشف البرديات المحفوظة فى متحف المخطوطات التابع ل دار الكتب والوثائق القومية بباب الخلق، ويتم نشر الموضوع كاملا في مجلة اكتوبر، وجهًا آخر للتاريخ؛ وجه الناس العاديين، الذين عاشوا تفاصيل الحياة اليومية وسجلوها على صفحات من البردي والرق والجلد، لتصل إلينا بعد أكثر من ألف عام شاهدة على مجتمع كامل، بكل ما فيه من معاملات وأحلام وعلاقات إنسانية.
ومن بين أهم هذه البرديات، تحتفظ دار الكتب باثنتين من أقدم البرديات العربية المؤرخة، تعودان إلى عامي 90 و91 هـ، وتنتميان إلى مجموعة قرة بن شريك، وهي واحدة من أشهر المجموعات الوثائقية الإسلامية فى العالم.
وتكتسب هذه البرديات قيمتها من مضمونها أيضًا، فهي لا تتناول أحداثًا سياسية أو عسكرية، وإنما تسجل تفاصيل الحياة الإدارية اليومية للدولة، من أوامر خاصة بتحصيل الخراج، وتنظيم الضرائب، وإدارة شؤون الأقاليم، إلى قرارات تتعلق بإعفاء بعض الأفراد من الالتزامات المالية، وهو ما يمنح الباحثين صورة دقيقة عن طبيعة الإدارة فى مصر خلال العصر الأموي.
وتعد مجموعة قرة بن شريك من أكبر مجموعات الرقوق الإسلامية المكتشفة، بعدما عثر على آلاف الوثائق فى منطقة بمحافظة سوهاج، وانتقلت أجزاء كبيرة منها إلى مؤسسات علمية ومتاحف خارج مصر، بينما احتفظت دار الكتب بعدد من أهم نماذجها، لتظل شاهدة على جانب مهم من تاريخ الإدارة الإسلامية المبكرة.
وتبرز الوثائق السياسية والإدارية التي تعكس طريقة إدارة الدولة فى القرون الإسلامية الأولى، وفى مقدمتها برديات مجموعة قرة بن شريك، التي تتضمن أوامر ومراسلات رسمية تتعلق بتحصيل الخراج، وإدارة شؤون الأقاليم، ومتابعة الولاة، والإعفاءات الضريبية، وهي وثائق تمنح الباحثين فرصة نادرة لفهم الإدارة الإسلامية من خلال وثائقها الأصلية، وليس عبر ما دوّنه المؤرخون بعد ذلك بسنوات.
لكن القيمة الحقيقية لمجموعة البرديات لا تتوقف عند السياسة، بل تمتد إلى المجتمع نفسه، فبين خزائن دار الكتب عشرات الوثائق التي توثق تفاصيل الحياة اليومية؛ عقود زواج، ووثائق طلاق، وعقود بيع وشراء، وإيجارات، واستبدال ممتلكات، ومراسلات شخصية بين الأفراد، وهي وثائق تكشف كيف كان الناس يديرون شؤونهم، وكيف كانت الدولة تنظم العلاقات المدنية منذ أكثر من ألف عام.
ومن أكثر الوثائق تأثيرًا، وثيقة عتق جارية تعود إلى القرن الرابع الهجري، كتبت على الرق، وتوثق لحظة تحول إنسانة من الرق إلى الحرية، وبرغم أن الوثيقة لا تتجاوز بضعة أسطر، فإنها تحمل دلالة إنسانية وقانونية عميقة، إذ تعكس أحد الجوانب المهمة فى التشريع الإسلامي، وتقدم نموذجًا حيًا لكيفية توثيق هذا النوع من المعاملات رسميًا.
كما تعرض الدار نموذجًا لعقد زواج مكتوب على البردي، يكشف الصيغة القانونية التي كانت توثق بها عقود الزواج، إلى جانب نموذج آخر لعقد بيع كُتب على الجلد الأحمر، فى دلالة على تنوع المواد المستخدمة فى التوثيق بحسب طبيعة الوثيقة وأهميتها.