تحل في الثالث عشر من أغسطس ذكرى رحيل محمد طلعت حرب باشا، أحد أبرز رواد الاقتصاد والحركة الوطنية في مصر الحديثة، والرجل الذي ارتبط اسمه بفكرة الاستقلال الاقتصادي، بعدما نجح في تحويل هذه الفكرة من دعوة نظرية إلى مؤسسات ومشروعات صناعية واقتصادية وثقافية ظل أثرها حاضرًا لعقود.
وُلد طلعت حرب في 25 نوفمبر 1867 بقصر الشوق في منطقة الجمالية بالقاهرة، وتخرج في مدرسة الحقوق الخديوية ، واهتم إلى جانب القانون بدراسة الاقتصاد والعلوم والآداب، كما أتقن اللغة الفرنسية ، ومن الأماكن التي ارتبطت بحياة طلعت حرب منزله بالقاهرة، وقد وثّق جهاز التنسيق الحضاري، ضمن مشروع «عاش هنا»، إقامة رائد الاقتصاد المصري في هذا المنزل، ليظل شاهدًا على جانب من مسيرته وحياته .
بدأ طلعت حرب حياته العملية مترجمًا بالقسم القضائي في «الدائرة السنية»، التي كانت تدير الأملاك الخديوية الخاصة، ثم تدرج في وظائفها حتى أصبح مديرًا لقلم القضايا. وفي عام 1905 تولى إدارة شركة كوم إمبو، التي كانت تعمل في استصلاح وبيع الأراضي، ثم تولى إدارة الشركة العقارية المصرية وسعى إلى تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها للمصريين. كما أسس عام 1908 «شركة التعاون المالي» لتقديم القروض لأصحاب الأعمال الصغيرة .
وكان طلعت حرب يرى أن الاستقلال السياسي لا يمكن أن يكتمل دون استقلال اقتصادي، ولذلك تصدى لمحاولات مد امتياز قناة السويس. ففي عام 1910 خاض معركة فكرية ووطنية ضد مشروع مد الامتياز أربعين عامًا إضافية، وألف كتابه «قناة السويس» لشرح القضية المصرية ومخاطر استمرار السيطرة الأجنبية على القناة، بالتزامن مع جهود رجال الحركة الوطنية، ومن بينهم محمد فريد، في حشد الرأي العام ضد المشروع .
وطرح طلعت حرب رؤيته الاقتصادية في كتابه الشهير «علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين»، داعيًا إلى إنشاء بنك وطني برؤوس أموال وإدارة مصرية ، يوجه مدخرات المصريين إلى الزراعة والصناعة والتجارة ويدعم المشروعات الوطنية، بدلًا من خروج الأموال إلى المؤسسات الأجنبية واستثمارها في اقتصادات الدول الأوروبية. وقد وافق المؤتمر المصري عام 1911 على فكرة إنشاء البنك، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى عطل تنفيذ المشروع لسنوات.
ومع اندلاع ثورة 1919 عادت فكرة البنك بقوة، وتحولت إلى مطلب شعبي شارك في الدعوة إليه الطلاب والكتاب والصحفيون ورجال الأعمال. وتشير روايات تاريخية إلى أن طالب الحقوق محمد بدوي البيلي نشر في «الأهرام» خلال أبريل 1919 مقالًا دعا فيه إلى إنشاء بنك وطني مصري، ثم اتسعت الحملة الصحفية حتى أصبحت فكرة البنك قضية عامة. وفي النهاية استطاع طلعت حرب جمع 126 مساهمًا مصريًا، وبلغ رأس المال عند التأسيس 80 ألف جنيه، موزعًا على 20 ألف سهم، قيمة السهم أربعة جنيهات.
وفي أبريل 1920 صدر المرسوم السلطاني بتأسيس شركة مساهمة باسم بنك مصر، برأس مال 80 ألف جنيه موزعًا على 20 ألف سهم، قيمة السهم أربعة جنيهات، وبلغ عدد المكتتبين 126 مصريًا. وأُعلن ميلاد البنك في مايو 1920، وكان أحمد مدحت يكن باشا رئيسًا لمجلس الإدارة، بينما تولى طلعت حرب منصب نائب الرئيس والعضو المنتدب .
لم يكن هدف طلعت حرب إنشاء بنك تجاري تقليدي، بل أراده أداة لبناء اقتصاد وطني مستقل. ولذلك توسع بنك مصر سريعًا في إنشاء الشركات وتمويل الصناعات، فأسس أو ساهم في شركات مصر للطباعة والورق وحلج القطن والغزل والنسيج والنقل والملاحة والمصنوعات المصرية والتأمين والسياحة والمناجم والمحاجر والزيوت والكيماويات والمستحضرات الطبية والجلود والكتان والحرير وغيرها .
وكانت شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى من أبرز مشروعاته الصناعية، كما اهتم بإنشاء مصانع لحلج القطن ومخازن لجمعه، وأرسل العمال والفنيين المصريين إلى الخارج للتدريب، واستعان بخبراء أجانب لنقل الخبرة الصناعية إلى مصر. كما دعم صغار الصناع والحرفيين، وشجع الشركات المصرية على منافسة المنتجات الأجنبية، وسعى إلى الحد من احتكار الأجانب للتمويل والمقاولات والتجارة .
واهتم طلعت حرب أيضًا بالادخار، فكان هدف بنك مصر جمع أموال المصريين واستثمارها داخل البلاد، بدلًا من خروجها إلى المؤسسات الأجنبية. ولم يقتصر الأمر على كبار المدخرين، بل شجع الأطفال وتلاميذ المدارس على الادخار من خلال توزيع الحصالات وفتح دفاتر توفير لهم، في محاولة لتكوين ثقافة اقتصادية جديدة تقوم على الادخار والإنتاج والاستثمار.
ومن أبرز إنجازاته تأسيس شركة مصر للطيران في مايو 1932، وبدأت الشركة تشغيل رحلاتها التجارية في أغسطس 1933 بين القاهرة والإسكندرية، ثم توسعت في خطوطها الجوية .
وامتد مشروعه إلى الثقافة والفنون؛ فأنشأ مطبعة مصر عام 1922، ثم تأسست شركة مصر للتمثيل والسينما عام 1925 برأس مال 15 ألف جنيه، وافتُتح استوديو مصر عام 1935، وأصبح فيلم «وداد» عام 1936 باكورة إنتاجه، من بطولة أم كلثوم .
كما ارتبط طلعت حرب بدعم عدد من المثقفين والأدباء، ومن بينهم عباس محمود العقاد وطه حسين، في وقائع تعكس إيمانه بأن دعم الثقافة والفكر جزء من بناء مصر الحديثة. وكان يرى أن السينما وسيلة للتعليم والتثقيف وليست مجرد وسيلة للترفيه، ولذلك أولى صناعة الفن اهتمامًا خاصًا.
وكان طلعت حرب يرى أن المال خدمة عامة، ولذلك اهتم بالجانب الأخلاقي والاجتماعي في نشاط البنك، ورفض تمويل المشروعات التي تسيء إلى الأخلاق العامة وكرامة الإنسان، كما سعى إلى حماية الفلاحين من فقدان أراضيهم بسبب القروض الأجنبية، ودعم الصناعات الصغيرة في مواجهة المنتجات الإنجليزية.
وتعرض بنك مصر لأزمة مالية في أواخر الثلاثينيات، مع تزايد سحوبات المودعين، وانتهت باستقالة طلعت حرب من مجلس إدارة البنك عام 1939، حفاظًا على استمرار البنك .
وفي 13 أغسطس 1941 رحل طلعت حرب عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد حياة حافلة بالمشروعات الاقتصادية والوطنية ، لكن رحيل طلعت حرب لم يكن نهاية مشروعه؛ فقد بقي بنك مصر ومجموعة الشركات التي ارتبطت به شاهدين على تجربته، واستمرت أفكاره في التأثير في مسيرة الاقتصاد المصري. ولم تكن أهميته في كونه رجل أعمال ناجحًا فحسب، وإنما في أنه جعل الاقتصاد جزءًا من معركة الاستقلال الوطني، وأثبت عمليًا أن المصريين قادرون على إدارة البنوك والصناعة والطيران والنقل والسينما وغيرها من المجالات التي حاول الاحتلال تصويرهم على أنهم غير قادرين على إدارتها .
ولهذا استحق محمد طلعت حرب لقب «أبو الاقتصاد المصري»، فقد كان مشروعه أوسع من إنشاء بنك أو شركة؛ كان مشروعًا لبناء اقتصاد مصري يمتلك المصريون أدواته وموارده ومؤسساته.
ومن هنا بقي اسمه حاضرًا في التاريخ، لا باعتباره مؤسس بنك مصر فقط، وإنما باعتباره واحدًا من أبرز الرجال الذين ربطوا بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي، وحولوا الفكرة الوطنية إلى مؤسسات ومشروعات أصبحت جزءًا من تاريخ مصر الحديث.