أكد الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية والمشرف على برنامج دراسات الشباب، أن التعامل مع قضايا الشباب يتطلب تجاوز التصورات التقليدية، سواء في تعريف مفهوم الشباب أو في أدوات البحث والدراسة، مشددًا على أن الشباب ليسوا فئة واحدة متجانسة، وإنما شرائح متعددة تختلف وفقًا للتعليم والبيئة والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
جاء ذلك خلال ندوة فكرية استراتيجية بمناسبة اليوم العالمي للشباب، نظمها مركزا جنولوجيا والأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، لمناقشة التحولات التي يشهدها الشباب وسبل تطوير البحث والسياسات المتعلقة بهم ،وبمناسبة اليوم العالمي للشباب، لمناقشة تطلعات الشباب والتحديات التي تواجههم، بمشاركة د. دينا محسن رئيس مركز جنولوجيا للفكر والدراسات ود. نوجين المدير التنفيذي لمركز جنولوجيا للفكر والدراسات ود. يوسف الورداني رئيس مركز تواصل المصري للدراسات وعدد من الباحثين والخبراء والمتخصصين.
وقال رشاد إن أول التحديات التي تواجه دراسات الشباب تتمثل في مفهوم الشباب ذاته، موضحًا أن التعريفات تختلف بين المؤسسات والمنظمات الدولية والدراسات البحثية، كما تختلف الحدود العمرية من دراسة إلى أخرى، وهو ما يستدعي قدرًا أكبر من الدقة عند تصميم الدراسات والسياسات الموجهة لهذه الفئة.
وشدد على أن الشباب ليسوا شريحة واحدة، فهناك اختلافات كبيرة بين خريجي أنواع التعليم المختلفة، وبين الشباب في البيئات والمناطق المتنوعة، مؤكدًا أن أي دراسة جادة يجب أن تصمم أدواتها بما يسمح بفهم هذا التنوع وعدم التعامل مع الشباب باعتبارهم كتلة واحدة.
وأشار إلى أن التحولات التكنولوجية والرقمية تمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في تشكيل الأجيال الجديدة، موضحًا أن هناك مناطق تماس واختلاف بين جيل «زد» وجيل «ألفا»، وأن الدراسات الحديثة بدأت تتعامل مع هذه الأجيال من خلال مفهوم أوسع يرتبط بـ«جيل التطبيقات».
وأوضح أن الدراسات الاجتماعية ترصد كذلك تراجع السلطة الأبوية لدى الأجيال الرقمية، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة تحتاج إلى أكثر من مقاربة نظرية لفهم العلاقة بين الشباب والأسرة ومفهوم السلطة.
ولفت إلى وجود تحديات منهجية تواجه البحوث الخاصة بالشباب، خاصة الاعتماد المتزايد على الاستبيانات والدراسات الإلكترونية، محذرًا من أن بعض العينات الرقمية قد لا تكون ممثلة بصورة دقيقة، فضلًا عن إمكانية وجود حسابات وهمية تؤثر في نتائج الدراسات.
ودعا إلى تعزيز الدراسات الطولية والتتبعية التي تتابع التغيرات التي تطرأ على الشباب عبر فترات زمنية متباعدة، إلى جانب التوسع في الدراسات الكيفية والسرديات، بما يسمح للباحثين بالاقتراب بصورة أعمق من تجارب الشباب ووجهات نظرهم.
واستعرض رشاد أبرز الموضوعات التي تحظى باهتمام البحوث الحالية حول الشباب، وفي مقدمتها ثقافة الشباب والتمكين والاندماج الاجتماعي، يليها الاهتمام بالقضايا النفسية والعنف والإدمان، ثم قضايا الوعي والفقر والهجرة والتحديات الاجتماعية والاقتصادية.
وأشار إلى أن هناك قضايا جديدة تستحق مزيدًا من البحث، من بينها تغير اتجاهات الشباب نحو الزواج، خاصة ظاهرة العزوف عن الزواج لدى بعض الشباب القادرين اقتصاديًا، مؤكدًا أن الظاهرة تحتاج إلى دراسة علمية لفهم دوافعها وأبعادها.
كما طرح أهمية دراسة استمرار حضور بعض المعتقدات المرتبطة بالأبراج والغيب لدى الشباب، رغم انخراطهم الواسع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن هذه الظواهر تكشف عن تركيبة فكرية واجتماعية تستحق البحث المتعمق.
وتطرق إلى ظهور ما وصفه بـ*«الرفيق الاجتماعي الجديد»*، في إشارة إلى اعتماد بعض الشباب على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المشورة واتخاذ القرارات المتعلقة بالدراسة والعمل والحياة الشخصية، بدلًا من الاعتماد فقط على الأسرة أو الدائرة الاجتماعية التقليدية.
وأكد أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت كذلك مصدرًا لبناء ما يمكن وصفه بـ*«رأس المال الخوارزمي»*، حيث يسعى بعض الشباب إلى بناء شبكات العلاقات وتحقيق الانتشار والمكاسب من خلال الترند والخوارزميات، وليس فقط من خلال الكفاءة أو المعرفة أو الخبرة.
وحذر من تأثير بعض أنماط المحتوى الرقمي في تشكيل القدوة لدى الشباب، مشيرًا إلى أن بعض صناع المحتوى قد يحصلون على انتشار واسع رغم محدودية القيمة التي يقدمونها، بما يفرض الحاجة إلى دراسة مفهوم النموذج والقدوة لدى الأجيال الجديدة.
ودعا إلى توسيع نطاق البحث ليشمل أيضًا رؤية الشباب للعالم، وكيف ينظرون إلى الأسرة والمجتمع والآخر والعالم، إلى جانب دراسة قدرتهم على الصمود النفسي والتعامل مع الأزمات والتحديات والمخاطر.
وشدد على أن فهم الشباب بصورة حقيقية يتطلب الجمع بين الدراسات الكمية والكيفية، وعدم الاكتفاء بالأرقام والمؤشرات، بما يتيح فهمًا أعمق لسيكولوجية الشباب وتصوراتهم ودوافعهم.