تشهد دول العالم، ومن بينها مصر، صيفًا استثنائيًا تتصاعد فيه موجات الحر القياسية؛ حيث تجاوزت المعدلات الطبيعية في بعض البلدان الأوروبية بما يتراوح بين 10 درجات إلى 15 درجة؛ متأثرة بتسارع ظاهرة الاحتباس الحراري وتزايد انبعاثات الغازات الدفيئة، التي تحبس الحرارة في الغلاف الجوي؛ مما يزيد من القيمة المتوسطة لدرجات الحرارة عالميا.
كما تتفاقم هذه الموجات الحارة مع حدوث ظواهر مناخية حادة على رأسها القبة الحرارية التي تتشكل في مناطق ضغط مرتفع وتحبس الهواء وتمنع تدفق الهواء البارد أو تشكل السحب؛ مما يضاعف سخونة السطح لأسابيع بالإضافة إلى ظاهرة النينو التي تسهم أيضا في رفع درجات حرارة المحيطات؛ مما يجعل فترات الصيف أكثر قسوة وطولا.
ولا تقتصر تداعيات هذه الموجات على الارتفاع المجرد في درجات الحرارة بل تمتد لتخلق تباينا إقليميا كبيرا في قدرة المجتمعات على المواجهة، فبينما تمتلك دول الشرق الأوسط بنية تحتية واعتيادا كبيرا على التعامل مع الحرارة العالية؛ تعاني قارة أوروبا، الأسرع احترارا في العالم، من أزمات حادة نظرا لأن مبانيها صممت أصلا للاحتفاظ بالدفء وتفتقر لوسائل التبريد الحديثة.
وشهدت أجزاء واسعة من القارة الأوروبية موجات حر قياسية أدت إلى جفاف الأنهار الرئيسية (مثل السين والراين والدانوب) واندلاع حرائق غابات ضخمة في جنوب أوروبا وغربها.. أما دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فسجلت ارتفاعات حادة في درجات الحرارة تراوحت ما بين 45 إلى 50 درجة مئوية فيما تتوقع المراكز البحثية أن يستمر الارتفاع بمعدل 4 إلى 7 درجات مئوية بحلول نهاية القرن إذا لم تتراجع الانبعاثات الكربونية.
وامتد تأثير الموجة الحارة ليشمل مدن ومناطق شمال الهند والصين حيث هددت الأراضي الزراعية وإنتاج القمح إلى جانب تسجيل حالات إجهاد حراري متزايدة، كما تأثرت مناطق واسعة من البرازيل وجنوب وغرب الولايات المتحدة بارتفاع مفرط في الحرارة مصحوبا بجفاف يؤثر على إمدادات الطاقة والمياه.
وسلّطت وكالة أنباء الشرق الأوسط الضوء على أسباب التغيرات المناخية المتسارعة وتأثيراتها الصحية وكيفية تجنبها من خلال حوار أجرته مع الدكتورة منار غانم المتنبئ الجوي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية التي أكدت على أن العديد من دول العالم وخاصة أوروبا تشهد موجات حر استثنائية وغير مسبوقة تتميز بارتفاع درجات الحرارة عن معدلاتها الطبيعية لفترات زمنية طويلة .. قائلة: "نظرا لتسارع التغيرات المناخية، بدأت أنماط هذه الموجات تتغير بشكل ملحوظ؛ حيث صارت تتناوب بين موجات حر طويلة وممتدة، وأخرى متتالية لا تفصل بينها فترات راحة كافية للتبريد؛ مما يزيد من حدة تأثيرها على الحياة اليومية".
وأضافت غانم: إن هذا الارتفاع المستمر في درجات الحرارة يؤدي إلى التكتل الحراري والإجهاد الشديد؛ مما أسفر عن تسجيل آلاف حالات الوفاة في عدة دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا .. لافتة إلى أن هذه المخاطر تتضاعف عند اقتران الحرارة بنسب رطوبة مرتفعة؛ حيث تعيق الرطوبة عملية التبخر الطبيعي للعرق، وهو الآلية الأساسية التي يعتمد عليها الجسم لتبريد نفسه؛ مما يسبب خللا في تنظيم حرارة الجسم ويؤدي إلى الإجهاد الحراري أو ضربات الشمس عند التعرض المباشر لأشعة الشمس لفترات طويلة.
وأشارت إلى أن قدرة الدول على مواجهة هذه الموجات تختلف باختلاف بنيتها التحتية ومدى اعتياد سكانها على درجات الحرارة المرتفعة، فبينما تعتاد دول الشرق الأوسط على الصيف الحار الذي قد تتجاوز فيه الحرارة الـ 50 درجة وتتوفر لديها وسائل التبريد والتكييف بشكل واسع، تعاني البلدان الأوروبية بشكل أشد نظرا لأن مبانيها صممت أصلا للاحتفاظ بالحرارة لمواجهة البرد وتفتقر الكثير من منشآتها لوسائل التهوية والتبريد الحديثة.
وأفادت بأن الرطوبة المرتفعة تعتبر العامل الأساسي والأهم في زيادة الشعور بدرجات الحرارة العالية خلال فصل الصيف حتى أثناء التواجد داخل المنازل، فالنسب العالية من الرطوبة تسبب إحساسا بالخنق والضيق والإرهاق؛ مما يؤثر بشكل مباشر على المزاج العام للأفراد والقدرة على أداء الأنشطة اليومية بفعالية.
وتحدثت غانم عن التباين الإقليمي وخطورة ظاهرة القبة الحرارية قائلة: "يختلف مدى تأثر الأفراد والمجتمعات بموجات الحر باختلاف طبيعة اعتيادهم عليها؛ فالمواطن في أوروبا يمتلك مستوى تحمل مختلفاً مقارنة بسكان مصر أو دول الخليج العربي، ومع ذلك، فإن الاستمرار الطويل لارتفاع الحرارة يشكل خطرا حقيقيا قد يؤدي إلى الوفاة في أي مكان، كما حدث في عدة دول أوروبية".
وأضافت: "لقد تفاقمت هذه الأزمة مؤخرا بسبب ظاهرة القبة الحرارية التي ضربت مناطق واسعة في أوروبا ودول المغرب العربي وأدت إلى جفاف شديد واندلاع حرائق غابات كارثية في بلدان مثل اليونان، إسبانيا، فرنسا، وبريطانيا".
وحول أثر التغير المناخي والطقس المتطرف على كافة مناحي الحياة .. أجابت المتنبئ الجوي بأن ارتفاع درجات الحرارة والموجات المتطرفة الناجمة عن التغيرات المناخية لم يعد يقتصر أثرها على صحة الإنسان والإجهاد الحراري فحسب، بل امتد ليشمل تدمير البيئة وتراجع إنتاجية المحاصيل الزراعية والضغط على البنية التحتية؛ مما يجعله تحديا شاملا يمس كافة جوانب الحياة اليومية والاقتصادية حول العالم.
وفيما يتعلق بتأثيرات الموجات الحارة على الصحة الجسدية.. نبّهت غانم إلى أن التعرض المستمر للحرارة العالية يؤدي إلى فقدان السوائل والأملاح عبر التعرق؛ مما يسبب الإجهاد الحراري، وقد يتطور في الحالات الشديدة إلى ضربة شمس تهدد الحياة .. لافتة إلى أن نقص شرب المياه يتسبب في حدوث الجفاف؛ مما يؤثر على وظائف الكلى والدورة الدموية.
وتعرف ضربة الشمس بأنها حالة طبية طارئة ومهددة للحياة تتطلب تدخلا إسعافيا فوريا، وتحدث عند فشل مركز تنظيم الحرارة في الدماغ وترتفع حرارة الجسم الداخلية لتتجاوز 40 درجة مئوية. والمصاب بضربة الشمس يتسم بجلد ساخن وأحمر وجاف لعدم القدرة على التعرق إلى جانب نبض سريع وقوي، وصداع نابض، مع اضطراب واضح في الوعي كالارتباك أو التلعثم وصولا إلى الإغماء، ويكمن التعامل الفوري معها في طلب الطوارئ فورا، ونقل المصاب لمكان بارد وتبريد جسده بالماء والكمادات الباردة، مع تجنب إعطائه أي سوائل للشرب أثناء غيابه عن الوعي.
أما الإجهاد الحراري؛ فهو مرحلة تحذيرية أقل خطورة تحدث نتيجة فقدان السوائل والأملاح عبر التعرق الشديد، وتظهر أعراضه على شكل تعرق غزير، وجلد بارد ورطب مع شعور بالضعف والدوار، وغثيان، وتقلصات عضلية، مع بقاء الشخص في كامل وعيه وإدراكه.
ويتم علاج المصاب بالإجهاد الحراري ميدانيا عبر الانتقال لبيئة باردة، والراحة، وتبريد الجسم، وشرب الماء والسوائل بشكل تدريجي للتعافي.
وحول سبل الوقاية والاحتياطات الشخصية.. قدمت غانم عددا من النصائح كي نتجنب الآثار الصحية الناجمة عن الموجات الحارة على رأسها تجنب أشعة الشمس المباشرة خاصة في أوقات الظهيرة (من الساعة 11 صباحا حتى 5 عصرا)، استخدام غطاء للرأس أو مظلة وتجنب الوقوف لفترات طويلة تحت الشمس، وتناول كميات كبيرة من السوائل وفي مقدمتها الماء، وارتداء الملابس القطنية الخفيفة الفضفاضة وذات الألوان الفاتحة.