علي هامش الاحتفال ب "اليوم العالمي للشباب " الشباب وصناعة المحتوى.. من شغف الشاشة إلى صناعة التأثير

علي هامش الاحتفال ب "اليوم العالمي للشباب " الشباب وصناعة المحتوى.. من شغف الشاشة إلى صناعة التأثيرسهام عز الدين

الرأى13-8-2026 | 16:00

في اليوم العالمي للشباب، لا أجد أفضل من أن نتوقف قليلًا أمام سؤال يتجاوز حدود الاحتفال والمناسبات: كيف نستثمر في طاقات شبابنا وإبداعاتهم، ونحول علاقتهم بالتكنولوجيا و الإعلام الرقمي من مجرد استخدام واستهلاك إلى إنتاج وإبداع وتأثير؟

ف الشباب لم يعد ينتظر أن تفتح له المؤسسات الإعلامية أبوابها كما كان يحدث في الماضي؛ لقد أصبح يمتلك بين يديه أدوات صناعة الإعلام، من هاتف ذكي وكاميرا ومنصة رقمية، يستطيع من خلالها أن يكتب ويصور ويقدم ويعلق ويناقش، وأن يصل بصوته إلى جمهور واسع داخل مصر وخارجها.

وهنا تكمن واحدة من أهم الفرص التي ينبغي أن نحسن استثمارها.

لقد تغيرت قواعد اللعبة الإعلامية. لم يعد المتلقي مجرد مستقبل للرسالة الإعلامية، بل أصبح في كثير من الأحيان صانعًا لها وناشرًا ومؤثرًا في اتجاهاتها. ومن هنا أصبحت صناعة المحتوى الرقمي أحد أهم المجالات التي يمكن أن تستوعب طاقات الشباب وتفتح أمامهم أبوابًا جديدة للتعلم والتثقيف وبناء الوعي والعمل وريادة الأعمال.

لكن امتلاك أدوات النشر لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على صناعة إعلام مؤثر.

فالمحتوى الناجح ليس هو الأكثر إثارة فقط، ولا الأكثر قدرة على تحقيق المشاهدات، وإنما هو المحتوى الذي يجمع بين الفكرة والمصداقية والوعي والمسؤولية والقدرة على الوصول إلى الجمهور.

وهنا أرى أن مسؤوليتنا تجاه الشباب يجب أن تتجاوز مطالبتهم بحسن استخدام التكنولوجيا، إلى تأهيلهم لاستخدامها بصورة احترافية ومسؤولة.

نحن بحاجة إلى برامج تدريبية حقيقية تفتح أمام الشباب أبوابًا واسعة في مجالات صناعة المحتوى، وإدارة المنصات الرقمية، والتصوير، والمونتاج، والكتابة الإبداعية، والبودكاست، والإنتاج المرئي، والذكاء الاصطناعي، والتحقق من المعلومات، والأهم من ذلك كله: أخلاقيات العمل الإعلامي وصناعة الوعي.

فالهدف ليس أن ننتج جيلًا يعرف كيف يصنع فيديو قصيرًا فقط، وإنما أن نصنع جيلًا يعرف لماذا يصنع هذا الفيديو، وما الرسالة التي يريد إيصالها، وما أثرها في المجتمع.

من مطاردة التريند إلى صناعة القيمة

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول طموح بعض الشباب إلى مجرد مطاردة مستمرة للتريند والمشاهدات، وكأن النجاح يقاس بعدد الإعجابات فقط.

المشاهدات مهمة، لكنها ليست المعيار الوحيد للنجاح.

فقد يحقق محتوى تافه ملايين المشاهدات في ساعات، بينما يحتاج محتوى معرفي أو توعوي إلى وقت أطول حتى يصل إلى جمهوره.

ومن هنا علينا أن نعيد تعريف النجاح لدى الشباب:

ليس المهم فقط كم شخصًا شاهد محتواك، وإنما كم شخصًا استفاد منه، وكم فكرة إيجابية زرعتها، وكم وعيًا أسهمت في بنائه.

وهذه النقلة من صناعة المحتوى إلى صناعة التأثير هي التي نحتاج إليها اليوم.

الشباب.. ثروة وطنية تحتاج إلى الاستثمار

إن الاستثمار في الشباب لا يعني فقط توفير فرص العمل التقليدية، وإنما يعني أيضًا فتح مساحات جديدة أمام مواهبهم وأفكارهم.

فكم من شاب يمتلك موهبة حقيقية في التصوير أو الكتابة أو التقديم أو التصميم أو صناعة الأفلام القصيرة، لكنه لا يجد البيئة التي تساعده على تطوير موهبته وتحويلها إلى مشروع أو مهنة؟

وكم من فتاة تمتلك فكرة مبتكرة، لكنها تحتاج فقط إلى التدريب والثقة والدعم حتى تنطلق؟

إن اكتشاف هذه الطاقات وتوجيهها يمكن أن يحول قطاع صناعة المحتوى إلى أحد المجالات الواعدة لخلق فرص عمل جديدة، ودعم المشروعات الصغيرة، وتشجيع الابتكار، وتعزيز الاقتصاد الإبداعي.

والأهم أن هذه الصناعة يمكن أن تمنح الشباب فرصة للتعبير عن قضاياهم ومجتمعاتهم وهويتهم وثقافتهم، وأن يقدموا للعالم صورة حقيقية عن مصر وشبابها وإنجازاتها وتنوعها الثقافي والحضاري.

الإعلام الرقمي وبناء الوعي

ومن واقع خبرتي في مجال الإعلام، أرى أن القضية لم تعد قضية إعلام تقليدي في مواجهة إعلام رقمي، وإنما أصبح لدينا فضاء إعلامي متكامل تتداخل فيه الوسائل والمنصات والأدوار.

وهنا يأتي الدور الأهم: كيف نضمن أن يكون الشباب جزءًا من عملية بناء الوعي، لا مجرد جمهور مستهلك للمحتوى؟

نحتاج إلى شباب قادر على التمييز بين المعلومة والشائعة، وبين الرأي والحقيقة، وبين النقد البناء ومحاولات التأثير المضلل.

نحتاج إلى شباب يمتلك الوعي الإعلامي والرقمي بقدر امتلاكه للمهارات التقنية.

فالتكنولوجيا بلا وعي يمكن أن تصبح أداة للفوضى، أما التكنولوجيا المصحوبة بالمعرفة والمسؤولية فتتحول إلى قوة حقيقية للتنمية.

رسالتي إلى شباب مصر

وفي اليوم العالمي للشباب، أقول لكل شاب وشابة:

لا تستهين بحلمك، ولا تجعل صعوبة البداية سببًا للتراجع.

آمن بقدراتك، واستثمر في نفسك، وتعلم باستمرار، ولا تنتظر أن يأتي الآخرون ليكتشفوا موهبتك.

اصنع فرصتك بنفسك.

قد تبدأ بهاتف بسيط، بفكرة صغيرة، بفيديو لا يشاهده سوى عدد محدود من الناس، لكن الاستمرار والتعلم والتطوير يمكن أن يحول هذه البداية البسيطة إلى تجربة مهنية وإنسانية كبيرة.

ولا تجعل هدفك أن تصبح مشهورًا فقط؛ اجعل هدفك أن تكون مؤثرًا وصاحب قيمة.

فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى شباب مشهور، وإنما يحتاج إلى شباب واعٍ، مبدع، منتج، قادر على تحمل المسؤولية وصناعة المستقبل.

إن الجمهورية الجديدة التي نبنيها اليوم تحتاج إلى عقول شابة تؤمن بقدرتها على الإنجاز، وإلى طاقات تعرف كيف تحول التحديات إلى فرص، والتكنولوجيا إلى معرفة، والمعرفة إلى إبداع، والإبداع إلى قيمة مضافة للمجتمع.

وفي النهاية، أؤمن أن أجمل ما يمكن أن نقدمه لشبابنا ليس أن نقول لهم: أنتم أمل المستقبل فقط، وإنما أن نقول لهم:

أنتم شركاء في صناعة الحاضر… فابدأوا من الآن.

كل عام وشباب مصر والعالم العربي أكثر إبداعًا ووعيًا وقدرة على صناعة التأثير.

خالص تحياتي
د. سهام عزالدين جبريل
محللة استراتيجية وخبيرة في الإعلام والعلاقات الدولية
نائبة برلمانية سابقة
متخصصة في الأمن الإقليمي والتنمية والتمكين وبناء الوعي

أضف تعليق

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان