ليس كل مباح متاح

ليس كل مباح متاح دكتورة امل عفيفى

الرأى19-8-2026 | 15:31

تصلني رسائل من آباء وأمهات يقفون عند مفترق قرارات مصيرية، لكن هذه الرسالة تحديدًا لفتت انتباهي: أب في الخمسين يريد إنهاء زواجه لأنه لم يعد سعيدآ ، ويرى أن الطلاق والزواج من أخرى حق شخصي لا يحتاج إلى تبرير، بينما أبناؤه يرون أن هذا القرار يهدد استقرارهم ويحمّله مسؤولية تفكك الأسرة.

سيدي الفاضل، أنا لا أناقش حقك في الطلاق، ولا أقول إن الإنسان مطالب بالاستمرار في علاقة يستحيل إصلاحها، لكنني أتوقف أمام مقولة انتشرت كثيرًا: (حقي وأنا حر) هذه المقولة، حين تُفهم بصورة مبتورة، قد تتحول من دعوة لتطوير الذات إلى مبرر للهروب من المسؤلية ،فيصبح كل تغير في المشاعر سببًا كافيًا للتخلي عن العلاقة، وكأن الزواج مجرد مساحة لتحقيق الاحتياجات الشخصية، وليس عهدًا ومسؤولية وعِشرة وأسرة.

نعم، من حق الإنسان أن يبحث عن سعادته، وأن يرفض الاستمرار في علاقة مؤذية أو مستحيلة الإصلاح، لكن عليه قبل ذلك أن يسأل نفسه: هل بذلت ما يكفي لإصلاح العلاقة؟ هل واجهت أسباب الخلاف بصدق؟ هل استعنت بمختص؟ هل حاولت أن تفهم زوجتك وأسباب الشقاق كما حاولت أن تفهم نفسك؟

فالزواج ليس علاقة بين شخصين فقط،إنه بيت وأبناء وذكريات ومسؤوليات وحقوق نفسية ومادية وأدبية،وقرار الطلاق حتى عندما يكون حقًا مشروعًا، لا يخص صاحبه وحده في آثاره وتبعاته.

لذلك أقول لك: راعِ العِشرة، وأكرم زوجتك، سواء استمرت الحياة بينكما أم انتهت بالطلاق. فالطلاق لا يبرر الإهانة، ولا يمحو فضل السنوات، ولا يحوّل شريك العمر إلى خصم.

وأبناؤك، وإن كانوا لا يملكون أن يقرروا عنك، فإن طلبهم الحفاظ على بيتهم وأسرتهم طلب مشروع. من حقهم أن يخافوا على إستقرارهم وأن يطلبوا منك ألا تتعامل مع الأسرة وكأنها رحلة وانتهت لمجرد تغير المشاعر.

سيدي .. ليس علي الصغار أن يضحوا،الكبار هم من يضحون ، لأنهم الأقدر على تحمل تبعات قراراتهم، هم من يملكون مساحة أكبر للتضحية والتصرف وتحمل مسؤلية إختياراتهم.

ابحث عن حلول جذرية لإصلاح العلاقة قبل أن تبحث عن بداية جديدة. فالمشاعر المتقلبة لا ينبغي أن تكون وحدها أساسًا لقرار يهدم سنوات من العِشرة، ما دام هناك أمل حقيقي في الإصلاح.

وأهمس لك، ولكل من يجعل شعار (حقي وأنا حر)مبررًا لكل ما يريد:
أنت حر… فيما لا يضرّ.

فليس كل ما هو مباح متاح ، وليس كل ما نستطيع فعله هو بالضرورة ما ينبغي أن نفعله.

وقبل أن نسأل: ما حقي؟ ربما يجدر بنا أحيانًا أن نسأل: ما مسؤوليتي؟ ومن سيتحمل ثمن اختياري؟

فالنضج الحقيقي ليس أن تعرف حقوقك فقط، وإنما أن تعرف كيف تمارسها دون أن تهدم حقوق من ائتمنوك على قلوبهم وحياتهم.

أضف تعليق

في الحروب النفسية.. على الحكومات أن تنتبه! (3)

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان