بعد رحيل عمرو محمد علي.. ماذا نعرف عن التصلب المتعدد؟ مرض مزمن يهاجم الجهاز العصبي

بعد رحيل عمرو محمد علي.. ماذا نعرف عن التصلب المتعدد؟ مرض مزمن يهاجم الجهاز العصبيعمرو محمد علي

منوعات19-8-2026 | 21:14

أعاد رحيل الفنان عمرو محمد علي، الشهير بدور «شقشق» في مسلسل «أرابيسك»، تسليط الضوء على طبيعة مرض التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis - MS)؛ وهو أحد الأمراض العصبية المزمنة التي قد تؤثر في الحركة والتوازن والكلام والرؤية وغيرها من الوظائف العصبية، وسط تساؤلات حول طبيعة هذا المرض ومضاعفاته وتأثيره في جودة حياة المصابين به.
اضطراب مناعي
التصلب المتعدد ليس مرضًا طارئًا، بل هو مرض مزمن ذو طبيعة مناعية يصيب الجهاز العصبي المركزي، الذي يشمل المخ والحبل الشوكي والعصب البصري. وفيه يهاجم الجهاز المناعي بطريق الخطأ غلاف «المايلين» الذي يحمي الألياف العصبية، ما يؤدي إلى تلفه، وقد يصيب أيضًا الألياف العصبية نفسها، وهو ما يؤثر في كفاءة انتقال الإشارات العصبية بين المخ وبقية أجزاء الجسم.
ويختلف تأثير المرض بصورة كبيرة من شخص لآخر؛ فقد تظهر الأعراض في صورة نوبات يعقبها تحسن جزئي أو كامل لدى بعض المرضى، بينما قد يتخذ المرض مسارًا أكثر تقدمًا لدى آخرين. كما أن المرض نادرًا ما يكون قاتلًا بصورة مباشرة، ويعيش معظم المصابين به لفترات طويلة، وقد يكون متوسط العمر المتوقع قريبًا من الطبيعي لدى كثير منهم.
لكن الحالات الشديدة والمتقدمة قد تزيد فيها مخاطر بعض المضاعفات، خاصة العدوى ومضاعفات ضعف الحركة، إضافة إلى مشكلات البلع التي قد تؤدي إلى دخول الطعام أو السوائل إلى مجرى التنفس والتسبب في التهابات صدرية.


رحلة 20 عامًا
عاش الفنان الراحل عمرو محمد علي رحلة طويلة مع التصلب المتعدد امتدت لنحو عشرين عامًا، وفق ما سبق أن صرّح به عن متابعته وعلاجه منذ عام 2006؛ حيث أدى تدهور حالته الصحية إلى تأثر حركته وكلامه وابتعاده عن الساحة الفنية..
وتوفي عمرو محمد علي في 17 أغسطس 2026 بعد تدهور صحي مفاجئ، وتأتي وفاته بعد أيام قليلة من تصريحات صحفية له في 13 أغسطس، أكد فيها تحسن حالته الصحية، وقال إنه يتلقى الجرعة العلاجية بانتظام ويحصل على حقنة مخصصة كل شهرين لتخفيف حدة الأعراض.

وعاش عدد من المشاهير حول العالم تجربة الإصابة بالمرض، مع اختلاف مساراتهم الصحية وأسباب وفاتهم:

جاكلين دو بريه (Jacqueline du Pré): عازفة التشيللو البريطانية الشهيرة، شُخصت ب التصلب المتعدد في سبعينيات القرن الماضي، وأنهى المرض مسيرتها الموسيقية مبكراً، وتوفيت عام 1987 عن عمر 42 عاماً. وتشير مصادر إلى أن شهادة وفاتها تضمنت الالتهاب الرئوي القصبي والتصلب المتعدد.

ريتشارد بريور (Richard Pryor): الكوميديان الأمريكي البارز، شُخص ب التصلب المتعدد عام 1986 وعانى من تأثيراته لسنوات طويلة، لكنه توفي عام 2005 إثر أزمة قلبية، وليس نتيجة مباشرة للمرض العصبي.

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين الإصابة ب التصلب المتعدد وبين الوفاة بسببه؛ فوجود المرض لدى شخص لا يعني بالضرورة أنه كان السبب المباشر في وفاته.

الأعراض المتنوعة
تختلف أعراض التصلب المتعدد بشدة من شخص لآخر، ولا يوجد عرض فردي يمكن أن يحسم الإصابة بالمرض؛ إذ قد تشمل الأعراض التنميل والخدر، وضعف الأطراف، والإرهاق الشديد، واضطرابات الرؤية، ومشكلات التوازن والتنسيق الحركي، إلى جانب أعراض أخرى مرتبطة بمكان تأثر الجهاز العصبي.
وقد يعاني بعض المرضى أيضًا من مشكلات في التحكم في المثانة أو الأمعاء، أو تشنجات واضطرابات أخرى، بينما تختلف شدة الأعراض وتطورها من حالة إلى أخرى. ولا يعني تشخيص التصلب المتعدد بالضرورة فقدان القدرة على الحركة أو استخدام الكرسي المتحرك؛ فمسار المرض يختلف بصورة كبيرة، وكثير من المصابين لا يصلون إلى هذه المرحلة.

كيف يُشخَّص؟
لا يعتمد تشخيص التصلب المتعدد على تحليل منفرد، بل يجمع الطبيب بين التاريخ المرضي والفحص العصبي ونتائج فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي، وقد يحتاج إلى فحوص إضافية وفق حالة المريض لاستبعاد أمراض أخرى قد تتشابه أعراضها مع التصلب المتعدد.
وتبرز أهمية التشخيص الدقيق لأن بعض الأعراض العصبية يمكن أن تظهر في أمراض وحالات صحية أخرى، ولذلك لا ينبغي أن يعتمد الشخص على عرض منفرد أو يحاول تشخيص نفسه.

التعايش والعلاج
على الرغم من عدم وجود علاج نهائي شافٍ للتصلب المتعدد حتى الآن، فإن الطب الحديث يتيح علاجات مخصصة لتعديل مسار المرض، وتهدف إلى تقليل نشاطه والانتكاسات وإبطاء تراكم الإعاقة لدى كثير من المرضى، إلى جانب أدوية وعلاجات مخصصة لبعض الأعراض، وبرامج العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل لمساعدة المريض على إدارة الأعراض والمحافظة على استقلاليته قدر الإمكان.
وتختلف الاستجابة للعلاج ومسار المرض من شخص لآخر، لذلك لا يمكن التنبؤ بمآل الحالة اعتمادًا على التشخيص وحده.


وتقول أ.د. سمر العمريطي، استشاري أمراض الباطنة والمناعة والروماتيزم، إن التصلب المتعدد مرض مناعي مزمن يجعل جهاز المناعة يهاجم غلاف المايلين الذي يحمي الأعصاب، وهو ما يؤثر في الإشارات العصبية بين المخ وبقية الجسم.
وتوضح أن الأعراض قد تظهر في صورة نوبات ثم تختفي أو تتحسن، أو قد تتزايد تدريجيًا بحسب طبيعة المرض لدى كل شخص، ومن بينها التنميل أو ضعف الأطراف، والدوخة ومشكلات التوازن، والزغللة أو ضعف النظر، خاصة في إحدى العينين، والإرهاق الشديد، إلى جانب بعض مشكلات التبول أو التبرز.
وتوضح أن الإصابة بالمرض لا تعني بالضرورة الوصول إلى العجز الحركي الكامل، مؤكدة أن بعض المرضى يستطيعون ممارسة حياتهم بصورة جيدة مع التشخيص المبكر والعلاج والمتابعة المنتظمة.
وتؤكد أن التشخيص والعلاج المبكرين يساعدان في السيطرة على نشاط المرض وتقليل الانتكاسات والحد من تراكم الإعاقة لدى كثير من المرضى، إلى جانب أهمية العلاج التأهيلي والدعم النفسي والاجتماعي.

هل التوتر النفسي له علاقة بالمرض؟
وبشأن العلاقة بين الصدمات النفسية والتصلب المتعدد، تشير أ.د. سمر العمريطي إلى أهمية الانتباه إلى تأثير الضغوط النفسية الشديدة في المريض، خاصة أن التوتر قد ينعكس على حالته الصحية والنفسية وقدرته على التعامل مع المرض.
وتشير الأدلة العلمية الحديثة إلى وجود ارتباط بين الضغوط النفسية ونشاط التصلب المتعدد أو زيادة احتمالات الانتكاسات لدى بعض المصابين، لكن الدراسات لا تسمح بالقول إن الصدمة النفسية وحدها هي السبب المباشر في الإصابة بالمرض. فقد خلصت مراجعة منهجية وتحليل نُشرا عام 2024 إلى أن تأثير الضغوط النفسية في ظهور المرض ونشاطه وتطوره يتراوح بين ضعيف ومتوسط، مع وجود تفاوت بين الدراسات، بينما وجدت مراجعات أخرى علاقة أوضح بين التوتر وخطر الانتكاس.
لذلك، لا يمكن اختزال الأمر في أن «صدمة نفسية تسببت في المرض»، وإنما يمكن القول إن إدارة التوتر والدعم النفسي جزء مهم من رعاية المريض.

وتشدد أ.د. سمر العمريطي على أن الراحة النفسية والدعم الأسري والاجتماعي ليست أمورًا هامشية، بل تساعد المريض على التعامل مع مرض مزمن قد تكون أعراضه مرهقة ومتغيرة. كما تحتاج الأسرة إلى فهم طبيعة المرض وتغيرات الحالة النفسية والجسدية التي قد يمر بها المريض، وعدم زيادة الضغوط عليه أو التقليل من شكواه.
وفي المقابل، من المهم أن يحصل المريض على فترات للراحة وأن يتجنب قدر الإمكان مصادر الضغط التي يستطيع التحكم فيها، مع الاستعانة بالدعم الأسري والاجتماعي والممارسات التي تساعده على الشعور بالاستقرار والسكينة.

هل التصلب المتعدد وراثي؟
ويقول د. عمرو حسن استشاري المخ والأعصاب إن التصلب المتعدد يمكن أن يصيب الرجال والنساء، لكنه أكثر شيوعًا لدى النساء، وتقدر بعض المصادر أن النساء أكثر عرضة للإصابة بنحو ثلاثة أضعاف الرجال. ويظهر المرض غالبًا في مرحلة الشباب، خصوصًا بين عمر 20 و40 عامًا، لكنه يمكن أن يظهر في أعمار أخرى أيضًا، بما في ذلك الأطفال بصورة نادرة، وبعد سن 45 عامًا بصورة أقل شيوعًا.
ويؤكد أن التصلب المتعدد ليس مرضًا وراثيًا ينتقل بصورة مباشرة من الآباء إلى الأبناء، ولا يرتبط بجين واحد مسؤول عن الإصابة، وإنما تتداخل عوامل وراثية وبيئية ومناعية في زيادة قابلية بعض الأشخاص للإصابة.
وتوضح المصادر المتخصصة أن وجود تاريخ عائلي للمرض يمكن أن يزيد احتمالات الإصابة، لكن الخطر يظل منخفضًا، ولا يعني وجود أحد الوالدين مصابًا أن المرض سينتقل إلى الأبناء حتمًا؛ ما يعني أن الغالبية العظمى من أبناء المصابين لن يصابوا بالمرض.

هل يؤثر المرض في الزواج والإنجاب؟
لا يُعد التصلب المتعدد مرضًا يمنع الزواج أو الإنجاب، كما أنه ليس مرضًا ينقل الخطر مباشرة إلى الشريك أو الأبناء.
وتؤكد جمعية التصلب المتعدد البريطانية أن الإصابة بالمرض لا تمنع الشخص من الإنجاب أو أن يصبح والدًا، وأن المرض لا ينتقل مباشرة من الوالد إلى الطفل. وفي حال التخطيط للحمل، ينبغي مناقشة الأدوية المستخدمة مع الطبيب، لأن بعض العلاجات المعدلة لمسار المرض تحتاج إلى احتياطات أو تعديلات عند التخطيط للحمل أو أثناءه.

هل التصلب المتعدد مرض معدٍ؟
التصلب المتعدد ليس مرضًا معديًا مطلقًا، ولا ينتقل من شخص إلى آخر عن طريق المخالطة أو الطعام أو التنفس أو التعامل اليومي.
كما أن وجود المرض لا يعني بالضرورة أن حياة المريض ستتوقف أو أنه سيفقد قدرته على الحركة؛ فهناك اختلاف كبير بين الحالات، وبعض المصابين يعيشون لسنوات طويلة مع درجات محدودة من الإعاقة، خاصة مع المتابعة والعلاج المناسبين.

التصلب المتعدد مرض مزمن ومعقد، ولا يمكن اختزاله في صورة واحدة أو مصير واحد. فقد يمر بعض المرضى بفترات من الأعراض والانتكاسات ثم يتحسنون، بينما يواجه آخرون مسارًا أكثر صعوبة.
وتبقى المتابعة الطبية المنتظمة، والتشخيص الدقيق، والعلاج المناسب، وإعادة التأهيل، والدعم النفسي والأسري عناصر أساسية في التعامل مع المرض.
وقصة عمرو محمد علي تفتح بابًا للتوعية بمرض يحتاج إلى فهم حقيقي بعيدًا عن التخويف؛ ف التصلب المتعدد ليس حكمًا حتميًا بالعجز أو الوفاة، وفي الوقت نفسه لا ينبغي الاستهانة بمضاعفاته أو تأخير التقييم الطبي عند ظهور أعراض عصبية متكررة أو غير مفسرة.

أضف تعليق

في الحروب النفسية.. على الحكومات أن تنتبه! (3)

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان