محمد ﷺ.. ميلاد الرحمة و انتصار الإنسانية

محمد ﷺ.. ميلاد الرحمة و انتصار الإنسانيةالشيخ مصطفى شلبي الأزهري

الرأى20-8-2026 | 13:25

لم يكن مولد سيدنا محمد ﷺ مجرد ميلاد إنسان عظيم ولا مجرد حدث تاريخي مر في سجل الزمان وإنما كان ميلاد رسالة غيّرت ميزان القيم وأعادت للإنسان كرامته وللمرأة مكانتها وللضعيف حقه، وللإنسانية معنى الأخوة والرحمة.

وفي ذكرى مولد المصطفى ﷺ من المهم أن نتذكر العالم الذي جاء إليه وأن نقارن بين واقع الإنسان في كثير من المجتمعات قبل الإسلام وبين المبادئ التي جاء بها القرآن الكريم والنبي ﷺ.

وليس المقصود أن نقول إن كل المجتمعات قبل الإسلام كانت سواء في ظلم المرأة أو الإنسان ، وإنما المقصود أن الإسلام جاء بمنظومة متكاملة من التكريم والعدل في وقت كانت فيه صور كثيرة من التمييز والظلم والاستعباد منتشرة في العالم.

المرأة قبل الإسلام... والمرأة في ظل الإسلام
ففي بعض المجتمعات القديمة كانت المرأة محرومة من حقوق مالية واجتماعية وفي بعض البيئات كانت تُعامل باعتبارها جزءاً من متاع الرجل و تُحرم من الإرث والتملك.

وفي البيئة العربية قبل الإسلام كان من صور الظلم أن يُكره بعض الناس على كراهية ولادة الأنثى قال تعالى:﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

ثم جاء الإسلام ليقول بوضوح: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

فلم يجعل المرأة شيئاً مهمشاً في الحياة ولم يجعلها مخلوقاً من الدرجة الثانية وإنما قرر لها حقوقاً وعليها واجبات وأقام العلاقة الزوجية على المعروف و المودة والرحمة والمسؤولية المتبادلة.

ثم جاء النبي ﷺ ليؤكد هذه المعاني عملياً فقال:"استوصوا بالنساء خيراً ".

ولم تكن هذه مجرد عبارة تقال بل كانت منهجاً في التعامل

بل إن النبي ﷺ جعل معيار الخيرية مرتبطاً بحسن التعامل داخل الأسرة فقال:"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي".

وهنا تتجلى عظمة الإسلام:
لم يأت ليحرر المرأة من رجل إلى رجل وإنما جاء ليحرر الإنسان من الظلم والعبودية لغير الله.

ف الإسلام لم ينظر إلى المرأة باعتبارها خادمة للرجل هذه نقطة جوهرية.

فالمرأة في الإسلام ليست سلعة ولا مجرد أداة للإنجاب ولا كائناً خُلق لإشباع رغبات الرجل.

بل هي إنسان مكرم و لها ذمتها المالية، وحقها في الميراث وحقها في المهر وحقها في القبول والرفض في الزواج وفق الأحكام الشرعية، ولها شخصيتها وكرامتها ومسؤوليتها أمام الله.

والقرآن الكريم لم يجعل قيمة الإنسان مرتبطة بكونه ذكراً أو أنثى وإنما قال:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

تأملوا: يا أيها الناس.

لم يقل: يا أيها العرب.

ولم يقل: يا أيها البيض.

ولم يقل: يا أيها الأغنياء.

ولم يقل: يا أيها الرجال.

وإنما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.

ثم وضع الميزان:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

فالقيمة الحقيقية ليست في اللون، ولا في العِرق ولا في النسب ولا في الجنس ولا في المال.

عظمة الإسلام لا تتوقف عند إنصاف المرأة.

فالنبي ﷺ جاء ليهدم عصبيات الجاهلية، ويضع الإنسان أمام إنسان آخر على أساس التقوى والحق والعدل.

وفي خطبة الوداع أعلن النبي ﷺ مبدأً عظيماً من مبادئ الإنسانية فقال: "يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب"

فلا فضل لإنسان على آخر بمجرد لونه أو قوميته أو نسبه.

وهذا هو الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ:

دين يرفع الإنسان لأنه إنسان ثم يرفع منزلته أكثر بقدر تقواه وصلاحه وإحسانه.

وهذا ما جعل بلالاً رضي الله عنه، وهو الحبشي الأصل يحتل مكانة عظيمة في مجتمع الإسلام حتى صار مؤذن رسول الله ﷺ.

وجعل سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وغيرهم جزءًا من نسيج الأمة الإسلامية لا لأن الإسلام ألغى اختلاف الألوان والأعراق وإنما لأنه ألغى أن يكون الاختلاف سبباً للظلم والاستعلاء.

قال الله تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

لاحظوا كلمة للعالمين

فالرحمة المحمدية ليست محصورة في قبيلة ولا في لون ولا في وطن ولا في طبقة اجتماعية.

فلقد جاء ﷺ ليضع الرحمة في قلب التعامل مع الإنسان حتى مع المخالف ويجعل العدل قيمة لا تسقط بسبب الخصومة.

قال تعالى:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾

أي حتى عندما تختلف لا تظلم.

وحتى عندما تكره لا تجور.

وحتى عندما تكون في خصومة لا تسقط أخلاقك.

هذه هي عظمة الإسلام

إن عظمة الإسلام ليست في كثرة الشعارات وإنما في تحويل القيم إلى سلوك وتشريع وحياة.

جاء الإسلام والمرأة في كثير من البيئات تعاني من الظلم، فقال:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

وجاء والإنسان يتفاخر بلونه ونسبه وقبيلته فقال:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

وجاءت العصبية تمزق الناس فقال النبي ﷺ:"دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ".

وجاء ﷺ ليعلم الناس أن القوة ليست في البطش وأن الكرامة ليست في الاستعلاء وأن السيادة ليست في إذلال الآخرين.

وفي ذكرى مولد الهادي البشير ﷺ... ماذا تعلمنا؟

أن الاحتفاء الحقيقي بمولد النبي ﷺ ليس مجرد كلمات تُقال ولا مظاهر تنتهي بانتهاء المناسبة.

إنما الاحتفاء الحقيقي أن نسأل أنفسنا: هل اقتدينا بأخلاقه؟

هل أكرمنا المرأة؟

هل رحمنا الضعيف؟

هل أنصفنا من نختلف معه؟

هل تركنا العنصرية؟

هل توقفنا عن السخرية من لون أو نسب أو فقر أو شكل إنسان؟

هل أصبحنا في بيوتنا كما كان رسول الله ﷺ في بيته؟

هل أصبحنا في تعاملاتنا كما أمرنا الإسلام؟

فإن كنا نحتفل بمولد من قال: "استوصوا بالنساء خيراً "

ثم نهين المرأة ونظلمها ونقسو عليها فماذا بقي من الاقتداء؟

وإن كنا نتحدث عن نبي الرحمة ثم نؤذي الناس بألسنتنا وأيدينا فماذا فهمنا من رسالته؟

وإن كنا نفتخر ب الإسلام ثم نحتقر إنساناً لفقره أو لونه أو أصله فقد خالفنا مبدأ قرآنياً :﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

وهنا نفهم لماذا كان ميلاد سيدنا محمد ﷺ ميلاداً للرحمة والعدل والكرامة.

صلوات ربي و سلامه على النور المبين الهادي البشير والسراج المنير ورحمة الله للعالمين.

أضف تعليق

في الحروب النفسية.. على الحكومات أن تنتبه! (3)

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان