فى أوائل الألفية الحالية كنت قريبا من وزراء المجموعة الاقتصادية ، وكان أغلبهم يؤمنون بالانفتاح الاقتصادى وضرورة قيادة القطاع الخاص للتنمية، متأثرين فى ذلك بما سمى "تفاهمات واشنطن" وهى مجموعة من "القواعد والإجراءات"، التى توافق عليها خبراء البنك الدولى و صندوق النقد وبعض خبراء الاقتصاد، الذين حاز بعضهم على جوائز "نوبل" فى الاقتصاد.
ومن أشهر تلك القواعد كانت نظرية "التساقط"، فقد رأوا أن القطاع الخاص أكفأ وأسرع فى القيام بالنشاط الاقتصادى، الذى شبّهوه بشجرة مثمرة، فعندما يستوى الثمار ويتساقط على الأرض، سوف يحصل الفقراء ومحدودو الدخل على "نصيبهم" منه!
وكثيرًا ما اختلفنا – كمحررين اقتصاديين – فى الندوات واللقاءات مع بعضنا، خاصة د. يوسف بطرس، وكانت حجتنا، أننا جربنا العمل بما يسمى "تفاهمات واشنطن"، التى اعتمد عليها صندوق النقد فى وضع روشتته الدائمة للإصلاح الاقتصادى، التى كان يطلق عليها برامج التثبيت، وقد أجرينا معه أكثر من عشرة برامج من قبل، ولم يحدث الإصلاح المنتظر والمتوقع، لأن الروشتة تكاد تكون ثابتة وتعتمد على مطالبة الدول بخفض عجز الموازنة، وتحرير سعر الصرف، وإصلاح الضرائب والجمارك وتوفير التنافسية بما يسمح بالقطاع الخاص بقيادة عمليات التنمية!
وكثيرًا ما طالبنا من السادة الوزراء أن ينظموا مؤتمرًا عامًا يجمع الخبراء والأكاديميين من كل المدارس والاتجاهات السياسية والاقتصادية للحوار والتوافق على مجموعة من القواعد والإجراءات النابعة والمتماهية مع البيئة المصرية، فأهل مكة أدرى بشعابها! واقترحنا تسميتها "تفاهمات القاهرة" على غرار تفاهمات واشنطن !، ولكن الوزراء كانوا سعداء بما يحققونه من معدلات نمو متزايدة فى الناتج المحلى وقتها، (2005 – 2010) وبصرف النظر عن عدالة توزيع هذا الناتج أو شموليته لجميع الفئات والمواطنين، حيث نظرية "التساقط" - فى رأيهم - ستتولى هذه المهمة.
والآن.. وبعد صدور وثيقة ملكية الدولة، ونتائج الحوار الوطنى والمؤتمر الاقتصادى، وغيره من الدراسات الرسمية والمجتمعية، أعاد الزملاء فى "المصرى اليوم" طرح ما يسمى "توافق القاهرة" بعد انتهاء البرنامج الحالى مع الصندوق فى نوفمبر المقبل، حيث تم تكليف أستاذ اقتصاد متخصص بجامعتى أوهايو الأمريكية والنيل المصرية (د. حسن يوسف على) بتحليل وتلخيص عشرة وثائق وبرامج اقتصادية، وحوارات الزميل مصباح قطب مع الخبراء والمتخصصين، لإعداد برنامج اقتصادى للمرحلة المقبلة.
وقد حاول د. حسن يوسف – فى مقترحاته - البناء على ما سبق والاستفادة من دراسات الاقتصاديين المصريين وغيرهم، بهدف تحويل الاقتصاد المصرى من اقتصاد "ريعى استهلاكى"، إلى اقتصاد "تنافسى منتج" يتميز بالتوسع فى الاستثمار وتعميق التصنيع، وزيادة الصادرات.
وفى رأيى.. إنها محاولة جيدة لاختصار الوقت والجهد.. فلسنا فى حاجة لإعادة "اختراع العجلة"، ولكن نحتاج لتحديد الأهداف وتعبئة الموارد البشرية والمادية، مع جدية التنفيذ والمتابعة.. وبعدها سوف يجني الجميع ثمار ما بُذل.. إن شاء الله.