قبل الإعلان الرسمي المرتقب خلال الفترة القليلة المقبلة، تكشف «بوابة دار المعارف» تفاصيل آلية
تسعير الدواء الجديدة التي تستعد
هيئة الدواء المصرية لنشرها في الجريده الرسميه ، في إطار توجه يستهدف تحقيق قدر أكبر من الشفافية والاستقرار داخل سوق الدواء، ودعم قدرة السوق المصرية على جذب المستحضرات والعلاجات الحديثة.
وطبقا للمعلومات المتوافرة ، تأتي الخطوة في ظل المتغيرات الاقتصادية المتلاحقة التي تؤثر على
صناعة الدواء عالميًا ومحليًا، بما يشمل تكاليف المواد الخام ومدخلات الإنتاج وسلاسل الإمداد وأسعار العملات، وهي متغيرات تفرض الحاجة إلى آليات تنظيمية أكثر قدرة على التعامل مع واقع السوق الحالي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استدامة توافر الدواء وحقوق المريض.
وبحسب الإطار المطروح، فإن آلية تسعير الدواء الجديدة تتعلق في المقام الأول بالمستحضرات الجديدة تحت التسجيل، فيما يعود آخر قرار منظم لآليات التسعير والمعمول به حتى اليوم إلى نحو 15 عامًا.
وتستهدف الآلية الجديدة وضع إطار أكثر وضوحًا وشفافية وقابلية للتنبؤ أمام المستحضرات التي تستعد لدخول السوق المصرية، بما يسهم في دعم استقرار السوق، وتشجيع الشركات المحلية والعالمية على تسجيل مستحضرات جديدة، وإتاحة خيارات علاجية أكثر تطورًا أمام المرضى.
المريض أولًا.. توافر الدواء قبل كل شيء
ينطلق تطوير منظومة التسعير من هدف رئيسي يتمثل في ضمان حصول المريض على الدواء الذي يحتاج إليه في الوقت المناسب، بما يدعم استدامة توافر المستحضرات ويحد من احتمالات نقص الإمدادات.
فاستقرار سوق الدواء لا يقاس فقط بمستوى الأسعار، وإنما بقدرة المنظومة على ضمان وجود الدواء واستمرارية إتاحته، إلى جانب توفير أحدث الخيارات العلاجية التي يحتاج إليها المرضى.
ومن هذا المنطلق، ترتبط آلية التسعير الجديدة بصورة مباشرة بأمن واستدامة الإمداد الدوائي، إذ تستهدف بناء منظومة أكثر قدرة على استيعاب المستحضرات الجديدة، وتحقيق التوازن بين احتياجات المريض واستدامة الصناعة وقدرة الشركات على استمرار الإنتاج أو الاستيراد.
ويصبح السؤال الأساسي بالنسبة للمريض ليس فقط: كم يبلغ سعر الدواء؟، ولكن أيضًا: هل سيكون الدواء موجودًا عندما يحتاج إليه؟
سعر عادل يوازن بين المريض واستدامة المستحضر
يمثل السعر العادل أحد المحاور الرئيسية في آلية التسعير الجديدة، من خلال تحقيق التوازن بين قدرة المواطن على الحصول على العلاج، وبين ضمان استمرار توافر المستحضر واستدامة إنتاجه أو استيراده.
فالسعر الذي لا يراعي القدرة الشرائية للمواطن يمثل عبئًا على المريض، وفي المقابل فإن عدم مراعاة التكلفة الفعلية لاستمرار إنتاج أو استيراد المستحضر قد يهدد استدامة وجوده داخل السوق.
ومن هنا تستهدف الآلية الوصول إلى معادلة توازن بين الطرفين، بحيث يظل الدواء متاحًا للمريض، وفي الوقت نفسه تظل هناك قدرة على استمرار إنتاجه أو توريده بصورة مستقرة.
دخول أسرع للعلاجات الحديثة
أحد أهم الأهداف التي تستهدفها آلية التسعير الجديدة هو تعزيز قدرة السوق المصرية على جذب المستحضرات والعلاجات الحديثة.
ويشهد العالم تطورًا متسارعًا في مجال المستحضرات الدوائية والعلاجات المبتكرة، ما يفرض على الأسواق المختلفة تطوير بيئاتها التنظيمية حتى تكون قادرة على استقطاب هذه المنتجات وإتاحتها للمرضى.
فالشركات العالمية والمحلية تحتاج إلى إطار واضح يمكنها من دراسة السوق واتخاذ قراراتها المتعلقة بالتسجيل والاستثمار وإتاحة المستحضرات الجديدة.
ومن هنا، فإن تطوير آليات التسعير لا يستهدف فقط تنظيم السعر، وإنما يدعم قدرة مصر على جذب المزيد من المستحضرات الحديثة، بما يوسع الخيارات العلاجية المتاحة أمام المريض المصري، ويقلل الفجوة الزمنية بين ظهور بعض العلاجات عالميًا وإتاحتها داخل السوق المحلية.
قواعد أوضح للمستحضرات الجديدة تحت التسجيل
تستهدف الآلية الجديدة وضع قواعد أكثر وضوحًا للمستحضرات الجديدة التي ما زالت في مراحل التسجيل، بما يرفع مستوى الشفافية والقدرة على التنبؤ بالنسبة للشركات والمستثمرين.
فالوضوح التنظيمي يمثل أحد العناصر الأساسية في اتخاذ القرارات الاستثمارية، خاصة في صناعة تحتاج إلى تخطيط طويل الأجل وتكاليف مرتفعة للتصنيع والتسجيل والتطوير.
ومن شأن وجود قواعد واضحة أن يساعد الشركات على اتخاذ قراراتها بصورة أكثر دقة، سواء فيما يتعلق بإدخال مستحضرات جديدة، أو توطين إنتاج بعض المنتجات، أو ضخ استثمارات إضافية في السوق المصرية.
لماذا يأتي التحديث بعد 15 عامًا؟
مرور أكثر من 15 عامًا على الإطار الحالي للتسعير جعل الحاجة إلى التحديث أكثر إلحاحًا، في ظل تغيرات واسعة طرأت على صناعة الدواء عالميًا ومحليًا.
فخلال هذه الفترة تغيرت تكلفة المواد الخام ومدخلات الإنتاج، وظهرت تقنيات علاجية جديدة، وارتفعت أهمية الأدوية البيولوجية والمستحضرات المبتكرة، كما شهدت الأسواق العالمية اضطرابات متتالية في سلاسل الإمداد والنقل والشحن وأسعار العملات.
ومن ثم، أصبحت هناك حاجة إلى منظومة أكثر حداثة وشفافية تراعي طبيعة السوق الحالية، وتكون قادرة على التعامل مع المتغيرات دون الإخلال باستدامة التوافر أو قدرة المريض على الحصول على العلاج.
لا استجابة تلقائية للمتغيرات الاقتصادية
أحد الأهداف الرئيسية للآلية الجديدة هو الوصول إلى سوق دوائي أكثر استقرارًا وقدرة على التعامل مع المتغيرات الاقتصادية، دون أن تكون الاستجابة لهذه المتغيرات تلقائية أو غير منضبطة.
فالمنظومة المستحدثة تستهدف وجود قواعد وضوابط واضحة تحكم التعامل مع التغيرات التي قد تطرأ على تكلفة الإنتاج أو الخامات أو العملات أو سلاسل الإمداد.
وبذلك تصبح الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية استجابة تنظيمية مدروسة، مرتبطة بضوابط ومعايير محددة، وليست استجابة مفتوحة أو تلقائية.
ويهدف هذا النهج إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقرار والقدرة على التنبؤ لدى مختلف أطراف المنظومة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توافر الأدوية وعدم تعرض السوق لاضطرابات حادة.
6 أهداف رئيسية لآلية التسعير الجديدة
وترتبط الآلية الجديدة بعدد من الأهداف الرئيسية، في مقدمتها تعزيز الشفافية في عملية التسعير، ودعم استقرار سوق الدواء، وتشجيع تسجيل المستحضرات الحديثة، واستدامة توافر الأدوية، ومواكبة المتغيرات الاقتصادية، وتعزيز قدرة السوق المصرية على مواجهة التحديات الاقتصادية والإمدادية.
ولا تنظر الآلية إلى السعر باعتباره عنصرًا منفردًا، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة متكاملة تستهدف ضمان وجود دواء آمن وفعال ومتوافر بصورة مستدامة، مع تحقيق قدر أكبر من العدالة والوضوح في عملية التسعير.
الحد من سوق الأدوية المهربة والمغشوشة
يحمل تطوير آلية التسعير بعدًا آخر يتعلق بدعم دخول المستحضرات المطلوبة إلى السوق المصرية من خلال القنوات الرسمية والخاضعة للرقابة.
فعندما تتأخر بعض المستحضرات الحديثة في الدخول الرسمي إلى السوق أو تكون إتاحتها محدودة، قد يلجأ بعض المرضى إلى الحصول عليها من قنوات غير رسمية، وهو ما يفتح الباب أمام الأدوية المهربة أو مجهولة المصدر أو التي قد لا تكون ظروف نقلها وتخزينها خاضعة للرقابة.
ومن ثم، فإن وجود منظومة أكثر قدرة على استيعاب المستحضرات الجديدة وإتاحتها رسميًا يمكن أن يسهم في تقليص مساحة التداول غير الرسمي، وتعزيز قدرة الجهات الرقابية على حماية المريض من المنتجات المغشوشة أو غير المأمونة.
جذب الاستثمار ودعم توطين الصناعة
ولا يقتصر أثر آلية التسعير الجديدة على المريض فقط، وإنما يمتد إلى الصناعة والاستثمار.
فوجود إطار أكثر وضوحًا وقابلية للتنبؤ من شأنه أن يعزز ثقة الشركات المحلية والعالمية في السوق المصرية، ويدعم قرارات الاستثمار وتسجيل المستحضرات الجديدة.
كما يمكن أن يمثل عنصرًا مساعدًا في تشجيع توطين المزيد من المستحضرات ونقل التكنولوجيا، إذ تحتاج الشركات قبل ضخ استثمارات جديدة إلى رؤية واضحة بشأن القواعد المنظمة للسوق وقدرتها على تحقيق الاستدامة.
ومن هنا، ترتبط آلية التسعير الجديدة بملف أوسع يشمل استدامة الصناعة الدوائية، وجذب الاستثمار، وتوطين المستحضرات الحديثة، وزيادة قدرة السوق المصرية على المنافسة إقليميًا.
سوق أكثر استقرارًا وليس مجرد سعر جديد
تنطلق فلسفة تطوير التسعير من أن سوق الدواء لا يمكن تقييمه فقط من خلال السعر المكتوب على العبوة.
فالسوق المستقرة هي التي تتوافر فيها المستحضرات بصورة منتظمة، وتستطيع استيعاب العلاجات الجديدة، وتحافظ على استدامة خطوط الإنتاج، وتوفر للمستثمرين قواعد واضحة، وفي الوقت نفسه تحمي قدرة المريض على الحصول على الدواء.
ولهذا، فإن نجاح الآلية الجديدة سيقاس بمدى قدرتها على تحقيق هذا التوازن، وليس بمجرد تغيير طريقة حساب السعر.
ماذا عن الأدوية المتداولة حاليًا؟
وفي إطار الآلية المستحدثة، تظل المستحضرات المتداولة حاليًا خاضعة للأطر والقواعد التنظيمية المعمول بها، بينما يتركز الإطار الجديد في الأساس على المستحضرات الجديدة تحت التسجيل.
وبالتالي، فإن تطوير آلية التسعير لا يعني بصورة تلقائية إعادة تسعير جميع الأدوية الموجودة بالفعل في السوق، وإنما يستهدف بناء قواعد جديدة وأكثر وضوحًا للتعامل مع المستحضرات التي تستعد لدخول السوق المصرية.
وتمثل هذه النقطة أهمية خاصة للمواطن، حتى لا يُفهم الحديث عن تطوير منظومة التسعير باعتباره تحركًا عامًا أو تلقائيًا لرفع أسعار جميع الأدوية.
المريض هو المستفيد الأول
في النهاية، فإن نجاح أي تطوير في منظومة الدواء سيقاس بقدرته على تحقيق نتيجة واضحة للمواطن: أن يجد الدواء الذي يحتاج إليه عندما يحتاج إليه، وأن يحصل عليه بسعر عادل، وأن تتوافر أمامه خيارات علاجية حديثة وآمنة ومن مصادر رسمية خاضعة للرقابة.
ومن هنا، فإن آلية تسعير الدواء الجديدة لا تمثل مجرد تحديث لإجراء تنظيمي مضى على إطاره الحالي أكثر من 15 عامًا، وإنما تأتي ضمن مسار أوسع يستهدف بناء سوق دوائي أكثر استقرارًا وشفافية وقدرة على التكيف مع المتغيرات.
ويبقى الاختبار الحقيقي بعد الإعلان الرسمي وتطبيق الآلية هو مدى انعكاسها على أرض الواقع: توافر أكبر للأدوية، وصول أسرع للعلاجات الحديثة، تقليل اضطرابات السوق، وتحقيق التوازن بين السعر العادل للمريض واستدامة وجود المستحضر.
فالهدف في النهاية ليس مجرد الوصول إلى آلية جديدة لحساب السعر، وإنما الوصول إلى معادلة أكثر تكاملًا: دواء متوافر، سعر عادل، علاج حديث، وسوق أكثر استقرارًا.