جورجيا ميلوني.. ابنة حي جارباتيلا الشعبي في روما، أصبحت الأطول حكمًا في تاريخ إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية، بحكومة استمرت لـ1413 يومًا في سدة السلطة، متخطيةً حكومة سيلفيو بيرلسكوني الثانية، لتدخل التاريخ مرة أخرى بعد أن كتبت لنفسها فصلًا بأنها المرأة الأولى التي تدخل قصر "كيجي".
وفي بلد تَعاقَب عليه أكثر من 70 حكومة بعد الحرب العالمية الثانية، واعتاد مشهد سقوط الائتلافات والدعوة للانتخابات المبكرة، أمسكت ميلوني بزمام القيادة بقوة ومهارة بالغة.
فحزب "أخوة إيطاليا" وعلى الرغم من المخاوف التي تم إثارتها بعد توليها السلطة، من اصطدامها بالاتحاد الأوروبي، ووجود شخصيات يمينية في حزبها، قادت ميلوني الحكومة الإيطالية ببراجماتية تُحسَد عليها، بحسب أسوشيتد برس. بعد أن استطاعت أن تُبقي على الروابط مع أوروبا دون التخلي عن خلفيتها اليمينية وخطابها القومي.
استطاعت حكومة ميلوني أن تحقق في الملف الاقتصادي إنجازات عديدة، مثل خلق فرص العمل وتشديد الرقابة المالية، بالإضافة إلى تقليل عدد المهاجرين غير الشرعيين، وهذا الاستقرار هو أمر نادر في إيطاليا، فقد أضافت إلى سوق العمل نحو 1.2 مليون عامل، وانخفضت البطالة إلى أقل من 6%، وفق بيانات حكومية نقلتها رويترز.
من هي؟
وُلِدَت جورجيا ميلوني في روما عام 1977، ونشأت في حي جارباتيلا الشعبي بالعاصمة، بعدما انفصل والداها وهي طفلة، وتولت والدتها تربيتها، لذا فهي تقدم نفسها باعتبارها ابنة الطبقة الشعبية التي وصلت إلى قمة السلطة دون أن تأتي من عائلة سياسية أو نخبة اقتصادية.
دخلت عالم السياسة في الخامسة عشرة، بعدها بدأت الرحلة التي ستقودها لاحقًا إلى البرلمان، ثم إلى منصب نائب رئيس مجلس النواب، قبل أن تصبح، في سن 31 عامًا، أصغر وزيرة في تاريخ إيطاليا عندما تولت وزارة الشباب عام 2008، وفي 2012، شاركت ميلوني في تأسيس حزب «إخوة إيطاليا»، الذي أصبح لاحقًا الأداة السياسية لصعودها إلى السلطة.
اعتمدت ميلوني في خطابها السياسي على الاقتراب من الشارع، مُستخدمةً مفردات مثل الوطن، الأسرة، المسيحية، الهوية الإيطالية والسيادة الوطنية، ونجحت في تحويل صورتها الشخصية إلى جزء من العلامة السياسية لحزبها.
لكنها، في الوقت نفسه، أصبحت أكثر حذرًا عندما انتقلت من المعارضة إلى الحكم؛ فبدلًا من الدخول في مواجهة مباشرة مع المؤسسات الأوروبية، حاولت تقديم نفسها كشريكة يمكن التعامل معها.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات تجربة ميلوني: القدرة على الجمع بين خطاب قومي محافظ في الداخل وسياسة أكثر براجماتية في الخارج.
ويصف معهد الشؤون الدولية الإيطالي هذا التناقض بأنه أحد مصادر قوتها؛ فهي تحاول الجمع بين كونها قومية وأوروبية، محافظة وحديثة، وذات خطاب سيادي مع الحفاظ على ارتباط إيطاليا بالاتحاد الأوروبي والغرب.
معارك سياسية
قلب مشروع ميلوني السياسي، يقوم على وقف الهجرة غير النظامية؛ فقبل وصولها إلى الحكم، جعلت وقف تدفقات المهاجرين عبر البحر المتوسط أحد أبرز وعودها الانتخابية.
وبعد توليها السلطة، تبنت سياسات أكثر تشددًا تجاه الهجرة واللجوء، وشددت قوانين مكافحة تهريب البشر، وعقدت اتفاقات مع دول شمال إفريقيا، كما طرحت نموذج معالجة طلبات اللجوء خارج الأراضي الإيطالية.
القادم.. غامض
الانتخابات البرلمانية المقبلة متوقعة في 2027، وتدخلها ميلوني وهي في وضع لا يمكن وصفه بأنه ضعيف، لكنه بالتأكيد ليس مريحًا، فحزب "إخوة إيطاليا" ما زال الحزب الأول في إيطاليا، وفي أحدث استطلاع لـSWG، وهو لمعهد إيطالي شهير لأبحاث السوق واستطلاعات الرأي، جاء إخوة إيطاليا: 26.8%، الحزب الديمقراطي: نحو 21%، حركة النجوم الخمس: نحو 13%، فورتسا إيطاليا: 7.1%، المستقبل الوطني لفاناتشي: 7.5%، الرابطة: نحو 5.7%.
وفي استطلاع آخر، أجرته إيبسوس، يوليو الماضي، حصل «إخوة إيطاليا» على 26.5%، بينما سجل فاناتشي 7.1%، مقابل 8.3% لفورتسا إيطاليا و5.1% للرابطة.
حازت علاقة ميلوني بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاهتمام؛ خاصةً بعد تصريح الأخير بأنها انتظرته كثيرًا، حتى تطلب منه التقاط صورة معه، الأمر الذي عادت هي لتنفيه، فقد اتهمته باختلاق الرواية بالكامل، وذلك بعد أن صرّح ترامب، في مقابلة تلفزيونية إيطالية، بأنها "توسلت" إليه لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع.
وصرّحت: "هناك أمر واحد ينبغي تذكُّره: لا أنا ولا إيطاليا نتوسل أبدًا".
أما علاقتها بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فتُمثِّل نموذجًا مختلفًا؛ إذ ينتمي الاثنان إلى معسكرين سياسيين متباينين، لكن الخلافات الأيديولوجية لم تمنع التعاون بين روما وباريس في ملفات الأمن والدفاع والطاقة والهجرة وأوكرانيا. وتحولت العلاقة تدريجيًا من التنافس والخلاف إلى شراكة براجماتية داخل الاتحاد الأوروبي؛ في ظل إدراك الطرفين أهمية التنسيق بين قوتين أوروبيتين رئيسيتين.
وفي جنوب المتوسط، تحتفظ ميلوني بعلاقة وثيقة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تقوم بصورة أساسية على المصالح الإستراتيجية والاقتصادية.
وتُعَد مصر شريكًا رئيسيًا لإيطاليا في ملفات الطاقة والهجرة والأمن والاستقرار الإقليمي، كما يُمثّل التعاون بين البلدين أحد محاور السياسة الإيطالية تجاه المتوسط.
وبرزت العلاقة في ملفات الغاز الطبيعي، والتعاون الاقتصادي، وأمن البحر المتوسط، فضلًا عن التنسيق بشأن أزمات المنطقة، بما يعكس توجُّه ميلوني إلى التعامل مع القاهرة؛ باعتبارها شريكًا إقليميًا لا غنى عنه.