يبدأ كثيرون يومهم بفنجان القهوة باعتباره طقسًا أساسيًا يساعدهم على الاستيقاظ والتركيز، حتى إن بعض الأشخاص يشعرون بأن يومهم لا يبدأ بدونه. لكن مع الاعتياد على تناول القهوة يوميًا، يطرح البعض سؤالًا مهمًا: هل المشكلة في شربها على معدة فارغة أو فور الاستيقاظ، أم أن الخطر الحقيقي يرتبط بالإفراط والاعتماد المتكرر على الكافيين؟
يقول الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، إن المشكلة الأساسية ليست بالضرورة في توقيت شرب القهوة، وإنما في الإفراط في تناولها والاعتماد عليها بصورة تجعل الجسم معتادًا على الحصول على الكافيين بشكل مستمر.
الإفراط في القهوة
يوضح أخصائي التغذية العلاجية أن القهوة يمكن أن تكون جزءًا من النظام الغذائي لدى كثير من الأشخاص، لكن الإفراط في تناولها قد يرتبط ببعض الأعراض والمشكلات، خاصة لدى الأشخاص الأكثر حساسية للكافيين.
ومن بين التأثيرات التي قد تظهر مع زيادة تناول الكافيين: زيادة معدل ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم بصورة مؤقتة لدى بعض الأشخاص، إلى جانب التأثير في جودة النوم، خاصة عند تناول القهوة في ساعات متأخرة من اليوم.
وقد يعتقد البعض أن القهوة لا تؤثر في نومهم لأنهم يستطيعون النوم بعد تناولها، إلا أن القدرة على النوم لا تعني بالضرورة أن جودة النوم لم تتأثر.
النوم العميق
يشير الدكتور أحمد أبو الريش إلى أن النوم يمر بمراحل متعددة، ومن بينها النوم العميق، الذي يرتبط بالعديد من عمليات التعافي والاستشفاء التي يقوم بها الجسم.
وخلال هذه المرحلة تنخفض معدلات التنفس وضربات القلب، وتدخل العضلات في حالة أكبر من الاسترخاء، كما تحدث عمليات فسيولوجية مهمة مرتبطة باستعادة الجسم لنشاطه.
لذلك، فإن تناول القهوة أو غيرها من مصادر الكافيين بالقرب من موعد النوم قد يؤثر في جودة النوم لدى بعض الأشخاص، حتى لو تمكنوا بالفعل من النوم.
وقد يستيقظ الشخص بعد عدد ساعات كافٍ من النوم لكنه لا يشعر بالراحة، أو يعاني من الصداع والتشتت والإرهاق خلال اليوم التالي، وهي أعراض قد ترتبط في بعض الحالات بضعف جودة النوم.
القهوة على الريق
أما عن شرب القهوة فور الاستيقاظ أو على معدة فارغة، فيوضح أخصائي التغذية العلاجية أن المشكلة ليست قاعدة عامة تنطبق على الجميع، فهناك أشخاص يستطيعون تناول القهوة على الريق دون مشكلات واضحة، بينما قد يعاني آخرون من أعراض مزعجة.
فالكافيين قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى زيادة أعراض الحموضة أو الشعور بعدم الارتياح في المعدة، وقد تكون هذه التأثيرات أكثر وضوحًا لدى من يعانون بالفعل من مشكلات بالجهاز الهضمي أو لديهم حساسية تجاه الكافيين.
ولهذا، إذا كان الشخص يشعر بأن القهوة على معدة فارغة تسبب له الحموضة أو اضطراب المعدة، فمن الأفضل تناولها بعد الطعام بدلًا من الإصرار على شربها فور الاستيقاظ.
ويمكن أيضًا إضافة اللبن إلى القهوة إذا كان الشخص يتحمله، أو تناولها بعد وجبة الإفطار لتقليل احتمال ظهور الأعراض المزعجة لدى بعض الأشخاص.
الاعتماد على الكافيين
ويلفت الدكتور أحمد أبو الريش إلى نقطة أخرى تتعلق بالاعتماد على القهوة؛ فبعض الأشخاص يرتبط لديهم تناولها بموعد محدد كل يوم، ومع تكرار الأمر يصبح الجسم معتادًا على الحصول على الكافيين في هذا التوقيت.
وعند عدم تناول القهوة قد تظهر أعراض مثل الصداع أو الشعور بالخمول وصعوبة التركيز، وهي أعراض يمكن أن تحدث مع الاعتماد المنتظم على الكافيين والتوقف عنه بشكل مفاجئ.
ويشير إلى أن تقليل الاعتماد على القهوة يكون بصورة تدريجية، خاصة لمن يتناولون كميات كبيرة منها، بدلًا من التوقف المفاجئ الذي قد يجعل أعراض انسحاب الكافيين أكثر وضوحًا.
يوم بلا قهوة
وينصح أخصائي التغذية العلاجية بألا تتحول القهوة إلى الوسيلة الوحيدة التي يعتمد عليها الشخص للاستيقاظ أو التركيز، مشيرًا إلى أهمية تقليل الاعتماد عليها تدريجيًا لمن يشعرون بأنهم لا يستطيعون بدء يومهم من دونها.
ويقدم مثالًا على ذلك بما يحدث لدى بعض الأشخاص خلال شهر رمضان، عندما يتوقفون فجأة عن تناول القهوة الصباحية، فيعانون خلال الأيام الأولى من الصداع والخمول وصعوبة التركيز، ثم تخف هذه الأعراض تدريجيًا مع تكيف الجسم مع انخفاض الكافيين.
لذلك، من المفيد لمن يتناول القهوة بكثرة أن يقلل الكمية تدريجيًا، وألا يجعلها جزءًا إلزاميًا من روتينه اليومي.
كم فنجانًا؟
وعند تحديد كمية القهوة المناسبة، يجب الأخذ في الاعتبار أن الكافيين لا يأتي من القهوة فقط، وإنما يوجد أيضًا في الشاي، والشاي الأخضر، والكاكاو، والشوكولاتة، وبعض الأدوية، وبالتالي فإن إجمالي الكافيين الذي يحصل عليه الشخص خلال اليوم هو المهم.
ويختلف تحمل الكافيين من شخص لآخر بحسب العمر والحالة الصحية ودرجة الحساسية للكافيين، لذلك لا توجد كمية واحدة تناسب الجميع.
وبشكل عام، يمكن للشخص الذي لا يعاني من مشكلة صحية تمنعه من تناول الكافيين أن يحرص على عدم الإفراط فيه، مع الانتباه إلى جميع مصادر الكافيين الموجودة في نظامه الغذائي، خاصة إذا ظهرت أعراض مثل الأرق، أو خفقان القلب، أو القلق، أو الصداع.
وتبقى القاعدة الأهم: القهوة ليست ممنوعة في حد ذاتها، لكن الإفراط والاعتماد عليها بصورة مستمرة قد يحولانها من مشروب يستمتع به الشخص إلى عادة يصعب الاستغناء عنها.