«الاختيار».. أن تواجه نفسك في نهاية الرحلة

«الاختيار».. أن تواجه نفسك في نهاية الرحلةمحمود عبد الشكور

الرأى11-10-2026 | 08:42

ربما يكون فيلم «الاختيار» (1970)، الذي كتب قصته نجيب محفوظ ويوسف شاهين، وكتب له السيناريو والحوار وأخرجه يوسف شاهين، هو أفضل دراما نفسية في تاريخ السينما المصرية، لشاهين فيلم آخر هام للغاية ينتمي إلى نفس النوع الصعب هو فيلم «باب الحديد» (1958)، ولكن «الاختيار» يتفوق ببنائه المعقّد والحداثي، وبتعدد مستويات قراءته التي تقودنا من التحليل النفسي للشخصية، إلى انتقاد ومراجعة أمور سياسية وثقافية واجتماعية أيضا، وقد فاز الفيلم بجائزة التانيت الذهبي في مهرجان قرطاج.
الفيلم هو أول ثلاثية أطلقتُ عليها تعبير «أفلام تصفية الحساب مع الآخر»، وأعني بها أن شاهين يقدم مراجعات قوية وغير مسبوقة، في «الاختيار» ثم في «العصفور» وفي «عودة الابن الضال»، للظروف والملابسات التي أوصلتنا إلى الهزيمة، ثم تحولات ما بعد انتصار 1973.

إنها أفلام سياسية بامتياز رغم بنائها الاجتماعى والنفسي، لأنها تعيد تأمل الأحوال، وتواجه مجتمعها بحقائق مسكوت عنها، و تدخل فى باب المراجعات على كل المستويات بعد كارثة يونيو 1967، والتى أحدثت صدمة كاملة، أعادت النظر جذريا فى كثير من الأمور.
فيلم «الاختيار» يشرح بلا رحمة شخصية مثقف مزدوج الشخصية، تتفاقم حالته حتى يصبح مريضا نفسيا وقاتلا، ولكن الفيلم ليس فقط عن مراجعة شخصية المثقف المنقسمة على ذاتها، ولكنه أيضا و بالأساس عن الكذب عن النفس، والهروب من الحقيقة، وعن الأقنعة التى تخفى تشوهات نفسية خطيرة وعميقة، فإذا كانت كارثة 67 فى جوهرها ناتجة عن كل ذلك، بتنويعات وعلى مستويات متعددة، فإن "الاختيار" يتقاطع مع "العصفور" فى كونهما بحثا عن الحقيقة، واستعادتها مهما كانت النتائج، ثم فضح للكذب وللوهم ولخداع الذات، يحدث ذلك فى الفيلمين عبر حبكة بوليسية محكمة، ولكن المستوى السياسى والرمزى حاضران بقوة، بل إنهما جوهر الفيلمين الحقيقي.
ولكن اللافت حقا، وقبل تحليل "الاختيار" تفصيليا فى مناسبة إعادة عرضه فى سينما زاوية احتفاء بذكرى شاهين، أن هذا المخرج الفذ انطلق أسلوبيا إلى آفاق أوسع بكثير فى هذه الثلاثية، فالمسافة كبيرة جدا بين كلاسيكية فيلم "الأرض"، والطريقة الحداثية الملغزة فى فيلم " الاختيار"، وأفلام هذه الثلاثية كلها تعبّر عن نفس قلقة متمردة، تواجه ذاتها أيضا عبر مواجهة الآخر، ثم تصبح هذه المواجهة صريحة للذات فى أفلام استلهمها شاهين من سيرته الذاتية فيما بعد.
ومن المفارقات الغريبة أن أزمة صحية خطيرة حدثت لشاهين أثناء تصوير فيلم "العصفور"، أجرى بسببها عملية فى القلب، دفعته لمواجهة نفسه، فقرر إن أفلت من الموت أن يحكى وأن يعترف ويواجه تاريخه الشخصى أيضا، مثلما فعل بمواجهة مجتمع ما بعد يونيو وأكتوبر فى ثلاثية أفلام "تصفية الحساب مع الآخر".
يعمل سيناريو "الاختيار" المركّب والمتماسك رغم ذلك على فكرة "ازدواج الشخصية"، ولكنه يضعها فى قالب بوليسي، حيث يعثر البوليس على جثة بعد شهرين من قتلها مدفونة فى منطقة الدراسة، ويتوصل إلى استنتاج مبدئى أنها تخص البحّار البوهيمى محمود (عزت العلايلي)، الشقيق التوأم للكاتب المسرحى المرموق والشهير سيد (عزت العلايلى أيضا)، والمرشح لمنصب رفيع فى اليونسكو، وزوج ابنة العائلة الكبيرة شريفة (سعاد حسني)، وبينما يخشى سيد من تأثير مقتل شقيقة مدمن المورفين والصعلوك على مناصب سيد وصعوده القادم، فإن البحث عن الجريمة، من خلال المفتش فرج (محمود المليجي)، ومساعده الضابط رؤوف (سيف عبد الرحمن الذى يلعب دور ضابط أيضا بنفس الاسم فى فيلم «العصفور»)، سيفتح الباب على ألعاب بوليسية مدهشة، مثلما سيفتح أيضا على تفاصيل عالم البحار محمود، وتفاصيل عالم الكاتب سيد.
يتم تضفير الحبكة البوليسية الغامضة بالأزمة النفسية والاجتماعية على نحو معقّد ولكنه ممتاز وموفق، فعلى مستوى الحبكة البوليسية نبدأ أولا بنفى فكرة مقتل محمود، حيث يظهر أمام البوليس، وبالتالى فإن الجثة لا تخص محمود ولا سيد، ثم يتجه الشك عبر فرج إلى أن محمود قتل سيد، وأنه حلّ محله، وأنه يقوم بدور شخصيتين، ثم نصل فى الجزء الأخير من الفيلم إلى أن سيد (المضطرب نفسيا والذى ينزعج من حب زوجته شريفه لأخيه سيد) هو الذى قتل البحّار محمود، وأنه تقمص شخصيته الحرّة المنطلقة.
لكن هذه الألعاب البوليسية تعمل فى الحقيقة لخدمة قراءة محيط محمود وسيد على المستوى الاجتماعي، حيث يقدّم محمود كممثل وكشاعر وكحكيم وكفنان وكرسّام، يظهر ويختفى كما يحلو له، يعشق الحياة والخيال، ويطوف العالم، ومكانه المفضل بيت بهيّة قمر (هدى سلطان)، وهى النسخة الأولى والأكثر تحررا من شخصية بهية الشهيرة، والتى ظهرت فى نسخة أخرى مختلفة بأداء محسنة توفيق فى فيلم «العصفور».
بهية قمر فنانة مسرحية معتزلة، وبيتها كما يقال جزء من قلعة صلاح الدين، وهو مفتوح للفنانين والرسامين وللعشاق أيضا، إنها تحب محمود، بينما يبدو متعلقا بشريفة زوجة أخيه، ولكنه يرفض أن يقيم معها علاقة، أو أن يتزوجها لو طلقت، مراعيا علاقة الأخوة، فيتعذب بهذا الحب، مثلما تتعذب شريفة.
أما محيط سيد فهو مغلق ومحدود، طموحه أن يواصل الصعود، والده وكيل محام بسيط، ولكنه حصل على ليسانس فى الفلسفة وعلم النفس، وقدم مسرحيات دفعت به إلى الشهرة، ومن خلال علاقات والد شريفة صعد إلى أعلى المناصب، لا تبدو العلاقة بين سيد وشريفة ناجحة، رغم إنجابهما لطفل، تحدث بينهما فقط لقاءات جسدية آلية، وإذا كان سيد بشخصيتين منقسمتين، فإن شريفة أيضا تبدو شخصيتين : واحدة تدفع سيد للصعود، والثانية تعشق محمود، وتريد أن ترتبط به!
يربط بين المستويين مسرحية كتبها سيد بعنوان "البحّار"، وأسقط فيها علاقته وشكوكه فى محمود وشريفة، هذه المسرحية يقوم ببطولتها يوسف وهبى وآخرون، وتستخدم فلاشات متخيلة من المسرحية لتعزيز الشكوك البوليسية فى اتجاهات شتى، كما تستخدم فى النهاية لاكتشاف مرض سيد النفسي، ومعرفة أنه هو قاتل شقيقه البحاّر محمود وليس العكس.
كتابة بارعة، وتحوّلات تثير الارتباك والحيرة، ولكن مع رسم جيد جدا للشخصيات المحورية : سيد ومحمود وشريفة، وأيضا للشخصيات التى تعمّق الصورة، وتكشف أبعادها، وأعنى بذلك شخصيات بهية قمر والمفتش فرج والضابط رؤوف، وبينما يتقاطع خيال سيد فى المسرحية مع واقع علاقة شريفة ومحمود، يتزايد الجدل بين فرج ورؤوف، أو بين الشاب الذى يكتشف العالم، وبين الخبير الذى سرعان ما يعترف بجهله بتعقيد الطبيعة الإنسانية، موافقا هوراشيو فى مسرحية هاملت ( معشوقة شاهين والحاضرة أيضا فى فيلم "العصفور" ثم "إسكندرية كمان وكمان") بأن هناك الكثير جدا الذى يجب معرفته بين السماء والأرض.
تصبح الحكاية أيضا عن الطبيعة النفسية المعقدة للغاية بذكر حكاية هنومة وقناوي، وبذكر "دكتور جيكل ومستر هايد" ، وتصبح أيضا عن ذلك الخيط الرفيع بين الخيال الفنى والمسرحى من ناحية، وبين واقع الشخصيات من ناحية أخرى.
المأساة تخص المثقف الذى لم يفلح فى أن يكون حرا مثل شقيقه فقتله، ولكنه لم يستطع أن يتحرر من شبحه أو من عفاريت ماضيه، فانتهى به الأمر إلى مستشفى الأمراض العقيلة كما حدث لقناوي، حيث استدعى شاهين فى نهاية "الاختيار" نهاية فيلم «باب الحديد»، على أن تقوم بهية قمر باستدراج المريض الجديد سيد، مثلما فعل حسن البارودى مع قناوى (يوسف شاهين فى دور عمره) فى نهاية «باب الحديد».
عندما يتخلى المثقف عن حريته، وعندما يكذب على نفسه، ويقتل أفضل ما يمتلكه من إبداع، أو يوافق على تقييد حريته مجاراة للمجتمع أو للسلطة، وعندما تصبح كتابته مجرد حكايات من الخارج عن بشر لا يهتم حقا بهم، وإنما هم مجرد شخصيات جوفاء يكتب عنها، وعندما يصبح التوأم محمود هو الفنان الحقيقى الجدير بالحب، وعندما يكذب المثقف على نفسه أولا ثم على الناس، فإن المأساة تصبح حتما قادمة.
ربما يكون رفض محمود لإقامة علاقة جسدية مع شريفة أمرا أخلاقيا مثاليا، وربما تكون جرأة شريفة مع محمود فى المقابل متناقضة نسبيا مع جانبها العملى الذى دعّم سيد، ولكن المعنى الذى نقله السيناريو بوضوح هو أن سيد وشريفة صعدا معا، ولكنهما يفتقدان التصالح مع نفسيهما، داخل كل واحد منهما ذات متمردة، مثلما يوجد داخل محمود وعى بأنه يعيش فى إطار مجتمع له أفكاره وتصوراته.
ينتصر شاهين بوضوح للتمرد، وللذين لا يهتمون بمواضعات اجتماعية عتيقة، ولكنه يرسم فى السيناريو أيضا معالم صراع مع هذا المجتمع، ولذلك يمكن أن نقرأ الفيلم من هذه الزاوية باعتباره صراعا بين صورة الإنسان أمام نفسه (استخدم شاهين مرايا فى كثير من المشاهد)، وصورته أمام المجتمع، وشاهين منحاز ومهتم بالتأكيد بصورتك الصادقة أمام نفسك، لأن أحدا لن ينفعك إذا فقدت هذه الذات الحرة المتصالحة مع الطبيعة والعاشقة للفن وللحب وللبحر وللحرية، ولأنه فى نهاية الرحلة لن تفلت من نفسك، وستقابل من هو أقبح من الشيطان، ويعنى بذلك مقابلة نفسك التى كذبت عليها، والتى ستعود حتما إليك لتحاسبك وتدمرك كما حدث مع سيد.
قتل سيد شقيقه على مستوى الخيال والواقع، ولكن شبح محمود (مثل شبح هاملت) عاد ليتقمص سيد، ثم يدمّره، سيد لن يكون أبدا مثل محمود، ولن يعود ليصبح سيد القديم، حاول أن يشوّه محمود فى المسرحية فلم يقدر، لم ينقذه الفن الزائف المصنوع، بينما بقى محمود عنوانا على الفن والحب والحرية رغم قتله.
يمكن القول إن هذه التحفة السينمائية، وعبر حبكتها النفسية المذهلة، قد وضعت عناصر أساسية لصورة المثقف الحقيقي، والفنان الحقيقي، الذى ينحاز للحرية، والذى يعرف الناس حقا ويتعاطف معهم، والذى يمكنك جرأة فى الإعلان عما يؤمن به، والذى يجعل الفن والكتابة مرايا لذاته دون انفصام أو انقسام أو كذب، والذى يمتلك هامشا واسعا للتسامح، وكلها أمور تقال صراحة وتكرر عبر الحوار الذى يحمل بصمة شاهين الشعبوية الإسكندرانية المعروفة، بالإضافة إلى تكوينات ولوحات شاهين المبدعة، فإن "الاختيار" يهدى سعاد حسنى وعزت العلايلى اثنين من أفضل أدوارهما، كل منهما يلعب ببراعة وبإقناع وجهين لشخصيته فى لعبة أقنعة لا تتوقف، وحتى فى مشهد جنون سيد، تقول له شريفة إنها أحبت سيد أيضا!
محمود المليجى كان أيضا رائعا فى دور المفتش فرج، من النادر أن تقدم شخصية محقق بمثل هذا الثراء، الذى يجعله أمام امتحان إنسانى وليس مهنيا فقط.
سيف عبد الرحمن كممثل يمتلك وسامة، ولكن لديه مشكلات فى التعبير بملامح وجهه التى لا تتغير، كما أن الألفاظ تندفع من فمه بدون توقف، ولكن شخصية رؤوف أكثر عادية وبساطة، وقد لعب شخصية بنفس الاسم، وعلى علاقة مع بهية أيضا فى فيلم "العصفور"، ومرت التجربتان بشكل معقول، رغم مشكلات الأداء المتكررة.
هدى سلطان قدمت بهية قمر بكل حضورها وسطوتها، كذلك ميمى شكيب فى دور نجمة مسرحية عجوز معتزلة، وكان يوسف وهبى ركنا محوريا فى الدراما، وليس مجرد ضيف فقط، هو الذى سيحل لغز سيد ومحمود، وهو الذى ينتقد الرقابة فى حوار مع سيد، كان ينقصه فقط أن يردد بعد القبض على سيد :" وما الدنيا إلآ مسرح كبير" تعبيرا عن سقوط الخطوط بين مسرحية سيد ومأساته.
من أبرز عناصر الفيلم صورة أحمد خورشيد المعبرة ، وديكورات صلاح جبر الرائعة، سواء فى منزل سيد، أو فى بيت بهية، فرغم جمال الديكور فى منزل سيد وشريفة إلا أن المكان ألوانه باردة، بعكس الألوان الدافئة والحميمة فى بين بهية.
لدينا مشاهد بأكملها مميزة ولا تنسى منها مثلا مشهد إطلاق البالونات مع الأطفال خارج السيرك، فيغمر الجميع نور الشمس، ومشهد لعب محمود بالكرة مع طفل فى الميناء ، ووصول الكرة فى المشهد التالى لسيد فى قاعة اجتماعات الوزارة، وينتهى المشهد بوضع الكرة فى خزنة النقود، وهو مشهد واقعى يتحول إلى رمزي، تعبيرا عن حبس الطفل الكامن داخل سيد.
القطعات الخشنة هنا قليلة ( المونتيرة رشيدة عبد السلام)، شاهين كان حريصا مثلا على توضيح الفارق بين المشاهد التى كتبها سيد، وبين مشاهد موضوعية حاضرة، بعكس ما سيحدث فى فيلم "العصفور"، هنا أيضا موسيقى على إسماعيل بطل حقيقى من أبطال الفيلم، وهى موسيقى مختلفة عن كل أعماله: عدد قليل من الآلات أبرزها ألأورج، وجمل موسيقية تعبر عن داخل الشخصيات وليس عن الخارج، وجملة موسيقة منذرة ومحذرة على لقطة النهاية حيث مصباح سيارة الإسعاف الأحمر، فالحكاية تخص كل مثقف أو فنان، والانقسام والفصام حكاية متكررة لدى المثقفين حاضرة فى كل زمان ومكان.
مرة أخرى: الاختيار فى فيلم "الاختيار" واضح، عليك أن تختار بين أن تكون سيد أو أن تكون محمود.
فإذا اخترت الأول ستصنع نجاحا زائفا ينهار عند أول اختبار، ولن تستطيع أن تقف أمام أشباحك، وستتلقى عقاب ذاتك فى آخر الطريق، دون شفقة أو هوادة.

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان