على مدى سنوات أربع لم يتوقف الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته دونالد ترامب عن أن يفاجئنا فى كل شيء.. فى تصريحاته، فى مواقفه، فى تعليقاته، فى سلوكياته، فى خطاباته، فى قراراته! ثم كانت مفاجأته الكبرى التى اختتم بها مدة رئاسته الأولى والأخيرة بعدم اعترافه بنتائج الانتخابات الأمريكية التى جرت منذ عدة أسابيع، والتى فاز فيها المرشح الديمقراطى چو بايدن.
ثم يختار ترامب السيناريو الذى تخوف منه الكثير من المراقبين والمحللين، والذى استبعده كل من يؤمن برسوخ النظام الديمقراطى الأمريكي، ويختار أن يشعل الولايات المتحدة، وأن تشهد
أمريكا ما صدرته لدول العالم على مدى سنوات من احتجاجات وتظاهرات وفوضى وتدخل فى الشئون الداخلية تحت مسميات عدة، ليصدم العالم كله أن ما جرى فى بلاد كثيرة متهمة بعدم الديمقراطية يحدث فى الولايات المتحدة ونشاهده بأعيننا، من قلة متطرفة لا تمثل جموع الشعب الأمريكي، وهو تماما ما كانت تفعله الولايات المتحدة خاصة فى فترات حكم الرؤساء الديمقراطيين!
لن تطول هذه المشاهد كثيرا، فلن يسمح نظام الديمقراطية الأمريكية العريق، بما أحدثه ترامب من فوضى، حتى أعضاء الحزب الجمهورى المهزوم أنفسهم لن يقبلوا بأن يتحول نظام دولتهم إلى أضحوكة فى العالم لصالح رجل نرجسي، اختار أن يسوق بلده إلى نفق مظلم من العنف والفوضى على أن يقتنع أنه قد أخطأ وأنه هزم، وهو ما يمكن أن يؤدى إلى انقسام أحد الحزبين الكبيرين فى الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يعلم أحد كيف سيواجه المجتمع الأمريكى ما ينتظره من انقسامات مع ما يواجهه من مشاكل اقتصادية، ومع ما يشهده من أعداد هائلة من مصابى فيروس كورونا ومشاكل أخرى كثيرة !
ما حدث سيكون درسا مهما للولايات المتحدة فى السنوات القليلة القادمة، وربما لكثير من الدول التى تستخدم شماعة الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتدس أنفها فى دول أخرى، وربما يكون بداية لما توقعه البعض من تراجع لقوة الولايات المتحدة وصعود الصين – لتراجع
أمريكا سياساتها الخارجية بعد أن ذاقت طعم الفوضى فى واحدة من أكبر مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية، ومركز ممارسة الديمقراطية وهو الكونجرس.
الألم الذى عاشته الولايات المتحدة الأمريكية بهذه المشاهد العنيفة التى نالت من هيبتها وديمقراطيتها، خاصة مع تولى رئيس من الحزب الديمقراطي، ومع كل تعاطفنا ووقوفنا مع المبادئ الديمقراطية، لن ينتهى بنهايتها لكنه سيظل شبحا يؤرق الديمقراطية الأمريكية.