سيناء.. الحدث والدلالات

عقب نشر مقال العدد الماضى حول أقوى آلات سحق العظام وتدمير العقول تلقيت عددًا من الرسائل التى تطالب الإعلام بضرورة العمل على نشر الوعى والتحذير من خطورة نشر معلومات غير مدققة.

توافق ذلك مع ما حدث السبت 7 مايو الجاري، وقبل أن يصدر بيان المتحدث العسكرى تناقل عدد من صفحات مواقع التواصل الاجتماعى أنباء حول عملية إرهابية جديدة فى سيناء، فى الحقيقة أن ما لفت انتباهى هو عدم تناقل تلك المعلومات، التى لم تصدر بشكل رسمى، بين مستخدمى مواقع التواصل، وهو ما يدلل على درجة الوعى الشديد لدى المواطن.

لكن ما أزعجنى هو تبادلها بين عدد من الإعلاميين بحجة أنهم استطاعوا الحصول على المعلومات من قلب الحدث؛ وهى للأسف لم تكن مدققة.

ليأتى بيان المتحدث العسكرى كاشفًا ومدققًا ومعلنًا إحباط هجوم إرهابى على إحدى نقاط رفع المياه غرب سيناء حيث قامت مجموعة من العناصر التكفيرية بالهجوم على نقطة رفع مياه غرب سيناء، وتم الاشتباك والتصدى لها من العناصر المكلفة بالعمل فى النقطة، مما أسفر عن استشهاد ضابط و10 جنود، وإصابة 5 أفراد، ثم مطاردة العناصر الإرهابية ومحاصرتهم فى إحدى المناطق المنعزلة فى سيناء.

صباح اليوم التالى ترأس الرئيس عبدالفتاح السيسي القائد الأعلى للقوات المسلحة اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتناول الاجتماع استعراض تداعيات الحادث وكذلك الإجراءات المنفذة لملاحقة العناصر التكفيرية الهاربة والقضاء عليها.

عقب الحادث الإرهابى بدت ثمة تساؤلات، بثها البعض، وتناقلها البعض الآخر، دون أن ينظر إلى ما تحمله كلماتها أو حتى مصدرها، وحاولت قوى الشر استخدام المشهد للعودة لتطبق نموذج إفشال الدولة، وهى لا تدرك أن الشعب المصرى أسقط هذا النموذج بوعيه الشديد واستطاع تثبيت أركان دولته.

إلا أن الحادث تلاه بيان المتحدث العسكرى فى نفس اليوم ثم فى يوم الأربعاء، وجاء البيان الثانى ليقدم دلالات مهمة لا بد من الوقوف عندها طويلًا؛ ما يستوجب علينا أن ندرك خطورة عدم تدقيق المعلومات المتداولة خلال الفترة الحالية.

هنا لا بد أن نحذر من تداول معلومات إيجابية أيضًا غير مدققة لما لها من آثار سلبية، وتأثيرها على هدم جدار الثقة بين المواطن والدولة، وهو أحد مناهج الحرب الجديدة.

أعود إلى ما حدث فى سيناء يوما السبت والأربعاء الماضيين لنتوقف عند عدد من النقاط المهمة والتى غابت عن البعض وتستوجب منا التركيز والتدقيق لما لها من دلالات مهمة.

(1)

ما حدث فى سيناء من استهداف العناصر التكفيرية لكمين «رافع المياه» غرب سيناء حاولت قوى الشر أن تصوره على أنه فشل الدولة المصرية فى مواجهة الإرهاب؛ وهذا غير صحيح.

فالدولة المصرية فى مواجهتها للإرهاب استطاعت أن تنجح فى دحره، وهنا سوف يتحدث البعض قائلًا: كيف ذلك وما زالت مثل تلك الأحداث تقع؟! أليست الحادثة الأخيرة دليل على أن الإرهاب لم ينته؟!

هنا يجب علينا أن ندرك مجموعة من النقاط المهمة فى تلك المعركة.

أولًا: المواجهة بين جيوش نظامية ومجموعات من المرتزقة وعناصر تم تدريبها على الحروب اللامتماثلة - غير المتكافئة، مستهدفة إنهاك الجيوش النظامية، بل ومارستها فى عدد من دول المنطقة وخارج المنطقة، تحسب نتائجها من خلال ما يتحقق على الأرض.

وبمراجعة بسيطة للأرقام نجد أن الدولة المصرية استطاعت بالفعل أن تدحر الإرهاب من خلال ثلاث محاور هي:

- المواجهة الأمنية (قوات إنفاذ القانون الجيش والشرطة)؛

- العمل على تنمية المناطق التى كانت تتمركز وتختبئ بها العناصر الإرهابية مما يخلق بيئة طاردة لتلك العناصر، فتتحول مناطق وجود واختباء تلك العناصر إلى مناطق مأهولة بالسكان.

- العمل على كشف حقيقة الفكر الظلامى الذى تتبناه العناصر التكفيرية؛ وذلك من خلال خلق حالة من الوعى تقودها القوى الناعمة للدولة.

ثانيًا: القوى الخارجية التى تدعم تلك العناصر وتقوم بتمويلها عسكريًا وماليًا ولوجستيًا ومعلوماتيًا، ما زالت لديها الرغبة فى إسقاط الدولة المصرية، بل وتحرص أشد الحرص على إيقاف تقدمها نحو النهوض والخروج من دائرة دول العالم النامى.

كما أنها ما زالت تستهدف تقويض دور مصر فى المنطقة، وهو ما لم تستطع أن تنجح فيه بحث عن دور لها فى قضايا المنطقة.

ثالثًا: تعمل العناصر التكفيرية وفق استراتيجية إثبات الوجود، وهو ما يجعلها دائمًا تصنع مجموعات كامنة تقوم بعمليات ما يسمى بالذئاب المنفردة ويتم إطلاق مثل تلك العلميات حال تهاوى التنظيم أو حدوث خطر وجودى يهدده فى أى منطقة.

تتحرك تلك المجموعات وفق تعليمات ملقنة مسبقًا ويتم العمل وفق ظروف وطبيعة كل حالة على حدة دون الرجوع لقيادة التنظيم.

لذا يتم القيام بمثل تلك العمليات حال غياب قيادة التنظيم بالقضاء عليها أو القبض على تلك القيادات من قبل سلطات الدولة.

(2)

نعود للأرقام لنوضح هل انتصرت مصر على الإرهاب أم لا؟ وهنا نذكر:

فى عام 2013 وعقب عزل مرسى وقع 39 هجومًا إرهَابيًّا فى شمال سيناء وحدها خلال أسبوعين.

فى عام 2014 وقعت ٢٢٢ عملية إرهابية كان أبرزها الهجوم على كمين كرم القواديس.

فى عام 2015 وقعت 594 عملية إرهابية من أبرزها هجوم 1 يوليو، والذى يعد الهجوم الأكبر والأعنف منذ ظهور الإرهاب فى سيناء وحتى الآن.

أفشلت الخطة الأمنية المحكمة بفضل مهارة المقاتلين من القوات المسلحة والشرطة خطط التنظيم للسيطرة على الشيخ زويد.

أما فى عام 2016 فقد تراجعت العمليات الإرهابية بعد فشل عملية ١ يوليو ليصل عدد العمليات الإرهابية إلى 199 عملية.

وفى عام 2017 بلغ عدد العمليات الإرهابية 50 عملية كان أبرزها الهجوم الدموى على مسجد الروضة ببئر العبد، والتى كشفت أن تلك العناصر لا تعرف من الدين إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه، بقتلهم المصلين داخل المسجد.

وقد تراجع الإرهاب بشكل كبير فقد شهد عام 2018 ثمانى عمليات إرهابية.

وفى عام 2019 لم يشهد سوى عمليتين إرهابيتين وهما تفجير معهد الأورام الذى أدى لاستشهاد ١٩ شخصًا وإصابة ٣٠ آخرين، والتفجير الانتحارى الذى وقع بمنطقة الدرب الأحمر.

وخلال عامى 2020 و2021 لم تقع أى عمليات إرهابية.

لكن ذلك لا يعنى القضاء التام بنسبة 100% على الإرهاب، فى ظل استمرار التمويل وتعرض التنظيمات الإرهابية، مثل داعش والإخوان المسلمين وغيرها من التنظيمات التكفيرية، إلى ضربات أمنية موجعة قضت على قيادات الصفوف الأولى والثانية، كما أُلقى القبض على عناصر ذات تأثير كبير داخل تلك التنظيمات مما أحدث داخلها زلزالًا كبيرًا.

تعرض تنظيم داعش لضربة قوية باغتيال زعيم التنظيم أبو بكر البغدادى ومن بعده عدد من قادة التنظيم، مما خلق حالة من غياب القيادة الموجهة للمجموعات، فكان عمل الذئاب المنفردة التى عاشت مرحلة كمون وفق تلقين مسبق ومحاولة إثبات التواجد من آن لآخر.

ولأن الدولة المصرية حرصت خلال مواجهتها للإرهاب ألا يضار أحدًا من أبناء سيناء وأن تظل الحياة تسير وفق طبيعتها، فقد كانت المهمة أكثر صعوبة.

ولنا أن نتذكر واقعة قيام أحد العناصر التكفيرية عندما أدرك تمكن القوات الجوية منه واستعداد الطيار (قائد طائرة أباتشي) لقصف مكان تواجده، خرج محتم بسيدة كانت مقيمة مع أطفالها فى إحدى العشش بوسط سيناء، هنا صدر القرار لقائد الطائرة بإنهاء المهمة حفاظًا على حياة السيدة السيناوية وأبنائها.

(3)

هنا أصبح علينا بعد هذا العرض أن نتوقف قليلًا مع الحادث الأخير... فخلال شهر إبريل الماضى واصلت قوات إنفاذ القانون ملاحقاتها لجيوب الإرهاب فى إطار عمليات التطهير المتواصلة ل سيناء وتأمين الحدود الشرقية للبلاد.

خلال تلك العمليات استطاعت قوات إنفاذ القانون القضاء على عدد من العناصر القيادية للتنظيم الإرهابى «داعش» التى كانت مختبئة فى قرية المقاطعة، وخلال مواجهات معها قُتِل التكفيرى «شعبان مصطفى محمد أبو دراع» وعدد من مرافقيه بعد محاصرتهم أثناء محاولتهم التسلل والهروب من قرية المقاطعة.

بعدها بيومين جرى تصفية اثنين من العناصر، أحدهما المجرم صبرى سويلم مسلم سالم أبو زينة، داخل نفق بالمقاطعة، كما عُثِر على أوراق تحتوى على تعليمات باستهداف معدات المقاولين وشركات المقاولات والعمال باعتبارهم مرتدين!!

يوضح ذلك دلالات الحادث الإرهابى الأخير.

لقد جاءت العملية التى استهدفت «رافع المياه» بغرب سيناء محاولة يائسة من جانب العناصر التكفيرية التابعة للتنظيم الإرهابى (الذئاب المنفردة) لإثبات التواجد وإيصال رسالة للخارج من خلال تلك العملية أن التنظيم ما زال له عناصر على الأرض من أجل جلب مزيد من الأموال للتنظيم الذى يلفظ أنفاسه الأخيرة، بعد أن شاهد العالم وتأكد انتصار مصر فى معركتها ضد الإرهاب، وهو ما ظهر جليًا خلال ما ذكرت فى السطور السابقة.

أكدت العملية أن التنظيم الإرهابى فى حالة تراجع وانهيار شديد وفقد السيطرة على عناصره بعد أن قُتِل قادته، وقد استطاعت قوات التأمين التصدى لها ولوحقت العناصر الإرهابية الفارة فقُتِل منها 16 عنصرًا بحسب بيان المتحدث العسكرى، كما دُمِر عدد من العبوات الناسفة المعدة لاستهداف قواتنا.

جاءت العملية ضمن محاولة يائسة للعودة للصحراء، فكانت قوات إنفاذ القانون لها بالمرصاد.

تمكنت قوات إنفاذ القانون صباح الأربعاء من إحباط محاولة للهجوم على أحد الارتكازات الأمنية، وتم التعامل معها مما أدى إلى مقتل (7) عناصر تكفيرية آخرين والتحفظ على عدد من البنادق الآلية والخزن والقنابل اليدوية والأجهزة اللاسلكية وقواذف البركان، وقد تم التحفظ على جثث القتلى التكفيريين لحين تسليمهم لذويهم حال التعرف عليهم.

وقد جاء تأكيد القوات المسلحة أنها لن تترك حق الشهداء من أبنائها دليلًا على قوة الدولة المصرية وعزم رجال القوات المسلحة على استمرار جهودهم فى محاربة الإرهاب واقتلاع جذوره وأن عزيمتهم تزداد قوة ورسوخًا يومًا بعد يوم وأن مثل تلك المحاولات البائسة من قوى الشر ومن يعاونهم لن تزيدهم إلا إصرارًا على تحقيق الأمن والأمان لشعب مصر العظيم.


صوت فلسطين الذى لن يموت

فى الوقت الذى يتحدث فيه العالم الغربى عن الحقوق والحريات، جاء استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلى صفعة قوية على وجه القوى الغربية التى تدعم إسرائيل بزعم الحفاظ على أمن الأخيرة.

لقد كانت شيرين أبو عاقلة صوت فلسطين الذى ظنت رصاصات الغدر الإسرائيلى أنها ستسكته ليعلو صوتها ويملأ أرجاء الأرض كاشفًا عن جرائم الحرب الإسرائيلية ويضع العالم أمام مسئوليته بضرورة محاسبة إسرائيل على جرائمها ضد الشعب الفلسطيني.

لقد أشعل استشهاد شيرين أبو عقلة الشارع الفلسطينى والعربى ليؤكد أن صوتها لن يموت.

رحم الله الشهيدة شيرين أبو عاقلة.

أضف تعليق

الحوار الوطني ومستقبل مصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين