في ضوء مؤشر الجوع العالمي: أزمة الغذاء تطرق أبواب العالم

في ضوء مؤشر الجوع العالمي: أزمة الغذاء تطرق أبواب العالممؤشر الجوع العالمي

منوعات22-10-2024 | 09:37

منذ بضعة أيام، احتفل العالم بـ يوم الأغذية العالمي في 16 أكتوبر 2024، وفي الوقت نفسه يعاني نحو 2.8 مليار شخص في العالم من تحمل تكلفة الأنماط الغذائية الصحية؛ حيث إن الأنماط الغذائية غير السليمة تؤدي إلى انتشار سوء التغذية بأشكاله المختلفة، بما في ذلك النقص التغذوي والسمنة، وهذا يؤثر في جميع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، كما تعاني الفئات الأكثر ضعفًا من عدم القدرة على تحمل تكاليف الأطعمة الصحية، مما يدفعهم للاعتماد على خيارات أقل تكلفة وغالبًا غير صحية.

كما تعمل الصراعات والتحديات الاقتصادية على زيادة خطر التعرض للجوع، ويحتاج العالم إلى جهود منسقة لتحسين الوصول إلى الغذاء الكافي والصحي، وهي خطوة أساسية نحو تطوير استراتيجيات فاعلة للتخفيف من حدة الجوع وضمان الأمن الغذائي للجميع.

الأمن الغذائي والتغذية في جميع أنحاء العالم: أحدث التطورات
تشير تقديرات تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم" الصادر عن الأمم المتحدة في يوليو 2024، إلى أن ما بين 713 و757 مليون شخص، أي ما يعادل 8.9% و9.4% من سكان العالم على التوالي تعرضوا للجوع في عام 2023، بمتوسط (733 مليون شخص)، بزيادة نحو 152 مليون شخص عن تقديرات عام 2019، ومع اقتراب عام 2030، لم تشهد الاتجاهات المتعلقة بهدف القضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي أي تحسن يُذكر وهو الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، كما أن العالم ليس على المسار الصحيح للقضاء على جميع أشكال سوء التغذية، ولا يزال يفتقر ملايين البشر إلى الوصول إلى غذاء مغذٍ وآمن وكافٍ.

ووفقًا للمعيار العالمي لقياس انعدام الأمن الغذائي، أو ما يطلق عليه "مقياس ريختر" للجوع، وهو التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) ، يقف نحو 42.3 مليون شخص حول العالم على حافة المجاعة؛ حيث تجتمع الصراعات وتغير المناخ وعدم الاستقرار الاقتصادي العالمي لخلق أزمات الجوع في كل أنحاء العالم، ويمر العالم بمراحل قبل أن يصل إلى هذا المستوى الكارثي من الجوع، هي:

المرحلة الأولى: لا مشكلة/الحد الأدنى من انعدام الأمن الغذائي
في حالة عدم وجود أزمة أمن غذائي حادة، أو وجود حد أدنى منها، يكون الأفراد قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية الغذائية وغير الغذائية دون اللجوء إلى تدابير غير معتادة أو غير مستدامة للحصول على الغذاء أو الدخل، وفي هذه المرحلة، تقل نسبة السكان الذين يعانون من سوء التغذية عن 5%، وحصول الأسر على دخل ثابت ومستقر. كما تتوفر كميات كافية من الغذاء ذي جودة مناسبة لمعظم الأفراد؛ حيث يحصل الشخص الواحد على أكثر من 2100 سعرة حرارية يوميًّا.

المرحلة الثانية: مرحلة "الضغط"
في هذه المرحلة، يتمكن الأفراد من الحصول على الحد الأدنى من الاستهلاك الغذائي المناسب، ويمكنهم تحمل تكلفة بعض المواد الأساسية غير الغذائية، ومع ذلك، فإنهم لا يزالون يواجهون ضغوطًا، لكن دون الحاجة إلى اتخاذ تدابير غير اعتيادية للتكيف مع تلك الضغوط، ويكون دخلهم غير منتظم، بحيث لا يمكن تلبية احتياجاتهم الأساسية، ونتيجة لذلك، قد يتعين عليهم إجراء بعض التغييرات. وفي هذه المرحلة، تتراوح نسبة السكان الذين يعانون من سوء التغذية الحاد بين 5% و10%، ويستهلك الفرد حوالي 2100 سعرة حرارية يوميًا.

المرحلة الثالثة: مرحلة "الأزمة"
تواجه الأسر نقصًا في استهلاك الغذاء مع انتشار سوء التغذية الحاد، أو تكون قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية فقط من خلال اتخاذ تدابير طارئة للتكيف مع الأزمات، وتكون الخيارات الغذائية محدودة للغاية، وتضطر لبذل جهود كبيرة لتأمين السعرات الحرارية التي يحتاجون إليها، وفي هذه الظروف، يعاني ما بين 10% و15% من السكان من سوء التغذية الحاد، وتكون دخول الأسر في حالة من القصور الشديد.

المرحلة الرابعة: مرحلة انعدام الأمن الغذائي "الطارئ"
في هذه المرحلة، تعاني الأسر من نقص شديد في استهلاك الغذاء مع معدلات مرتفعة جدًا من سوء التغذية الحاد وزيادة في أعداد الوفيات، كما أن الأسر لا تتمكن من تلبية احتياجاتها الغذائية إلا من خلال بيع الأصول القليلة المتبقية، مما يؤدي إلى فقدان الدخل، وتتراوح نسبة السكان الذين يعانون من سوء التغذية الحاد بين 15% و30%، ويقتصر حصولهم على ثلاث مجموعات غذائية أو أقل، مثل الفواكه والحبوب والخضراوات، كما يستهلكون أقل من 2100 سعرة حرارية يوميًّا.

المرحلة الخامسة: مرحلة الكارثة" أو "المجاعة"
هذه هي أخطر مراحل الجوع، وتعكس واقعًا مؤلمًا يتمثل في استمرار المجاعة في عالم مليء بالوفرة، وفي هذه المرحلة، يفتقر الناس تمامًا إلى إمكانية الوصول إلى الغذاء والاحتياجات الأساسية الأخرى. حيث تعاني الأسر من نقص حاد في الغذاء، حتى بعد استنفاد كل الوسائل الممكنة للتكيف مع الأزمة. ويصبح الجوع الشديد، والموت، والفقر، وسوء التغذية الحاد في مستويات حرجة وظاهرة للجميع، حيث يموت ما لا يقل عن اثنين من كل 10 آلاف شخص يوميًّا، نتيجة الجوع أو الأمراض المرتبطة بظروف المجاعة، كما يعاني أكثر من 30% من السكان من سوء التغذية الحاد، ولا يمكن للأسر سوى الوصول إلى مجموعة أو اثنتين من المجموعات الغذائية نتيجة عدم وجود دخل، حيث تواجه 20% من الأسر نقصًا حادًا في الغذاء.

هذا، وقد سلطت الإصدارات السابقة لتقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم" الضوء مرارًا وتكرارًا على تكثيف العديد من العوامل الرئيسة لانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وتحديدًا الصراعات وتقلبات المناخ والظواهر المناخية المتطرفة والتباطؤ الاقتصادي والانكماش الاقتصادي، مع العوامل الأساسية الراسخة التي تساهم في انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، مثل عدم القدرة على الوصول إلى الأنظمة الغذائية الصحية وعدم القدرة على تحمل تكاليفها، والبيئات الغذائية غير الصحية، وعدم المساواة العالية والمستمرة، ولا تتزايد هذه العوامل الرئيسة في التكرار والشدة فحسب، بل إنها تحدث بشكل متزامن وبصورة أكثر تكرارًا، وبالاقتران بالعوامل الأساسية، مما يؤدي إلى زيادة أعداد الجوعى وانعدام الأمن الغذائي، ويبين التقرير الذي صدر في يوليو 2024، أن العالم تراجع 15 عامًا في القضاء على الجوع، مع مستويات من سوء التغذية مماثلة لتلك التي كانت في الفترة 2008-2009.

وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فمن المتوقع أن يعاني نحو 582 مليون شخص من سوء التغذية المزمن بحلول عام 2030، سيتركز 53% منهم في إفريقيا، وهو ما يشير إلى التحدي الهائل المتمثل في تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة (القضاء على الجوع). وهذا يعني أن عدد الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية سيزيد بنحو 130 مليون شخص مقارنة بسيناريو ما قبل جائحة كوفيد-19. وجاء هذا التحذير من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومنظمة الصحة العالمية. ويقترب هذا الرقم بشكل كبير من المستويات المسجلة في عام 2015، عندما تم اعتماد أهداف التنمية المستدامة، مما يشير إلى ركود مقلق في التقدم نحو القضاء على الجوع.

ويُبرز التقرير أن الوصول إلى الغذاء الكافي لا يزال بعيد المنال بالنسبة لمليارات البشر. ففي عام 2023، واجه حوالي 2.33 مليار شخص حول العالم انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد، وهو رقم لم يتغير كثيرًا منذ الزيادة الحادة التي شهدها العالم في عام 2020 بسبب جائحة كوفيد-19. ومن بين هؤلاء، عانى أكثر من 864 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الشديد؛ حيث ظلوا بدون طعام لمدة يوم كامل أو أكثر. واستمر هذا الرقم في الارتفاع منذ عام 2020. وعلى الرغم من التحسن الذي شهدته أمريكا اللاتينية، فلا تزال التحديات الأوسع قائمة، لا سيما في إفريقيا؛ حيث يعاني 58٪ من السكان من انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد.

الأقاليم الأكثر تأثرًا بالجوع
ما تزال إفريقيا المنطقة الأكثر تضررًا؛ حيث عانى 20.4% من السكان عام 2023 من الجوع (298.4 مليون شخص تعرضوا للجوع في عام 2023)، مقارنة بـ 8.1% في آسيا، ومع ذلك ما تزال آسيا موطنًا لأكبر عدد من الذين يعانون من الجوع (أي 384.5 مليون شخص، أو أكثر من نصف جميع الذين يواجهون الجوع في العالم)، وفي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي يعاني 6.2% من السكان من أزمة الجوع أي ما يقدر بنحو (41 مليون شخص)، و7.3% في أوقيانوسيا (3.3 ملايين شخص).

وهناك اتجاه واضح لارتفاع معدل انتشار نقص التغذية في إفريقيا، في حين يتم إحراز تقدم في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، ويظل المعدل ثابتًا نسبيًّا في آسيا. بينما في جميع المناطق، لا يزال معدل انتشار نقص التغذية أعلى من مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19؛ أي واحد من كل 11 شخصًا في العالم، وواحد من كل خمسة في إفريقيا.

ورغم هذه التحديات، فإن التقدم المحرز في العديد من البلدان يوفر الأمل في إمكانية العودة إلى المسار الصحيح للقضاء على الجوع وسوء التغذية، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب سياسات واستثمارات وتشريعات مناسبة، إلى جانب تمويل كافٍ للأمن الغذائي والتغذية. وعلى الرغم من الإجماع الدولي حول ضرورة زيادة التمويل في هذا المجال، فلا يزال هناك غموض حول كيفية تعريف هذا التمويل وتتبعه بشكل دقيق.

وهناك مجموعة واسعة من التقديرات لتكلفة تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالقضاء على الفقر وتوفير الأمن الغذائي. ومع ذلك، لا توجد صورة متماسكة للكمية الإجمالية للموارد المالية التي يتم إنفاقها على الأمن الغذائي والتغذية، أو تحقيق هذا الهدف، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى عدم وجود تعريف متفق عليه لتمويل الأمن الغذائي والتغذية. وبدون تعريف موحد، لن يكون من الممكن تقييم المستويات والفجوات الحالية في تمويل الأمن الغذائي والتغذية بشكل مناسب.

اتصالًا، تواجه البلدان الأكثر احتياجًا تحدياتٍ كبيرة في الوصول إلى التمويل المطلوب، ومن بين 119 دولة ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​التي تم تحليلها في تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم، فإن حوالي 63% لديها وصول محدود أو متوسط ​​إلى التمويل. بالإضافة إلى ذلك، تتأثر معظم هذه الدول (74%) بعامل أو أكثر من العوامل الرئيسة التي تساهم في انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، ومن ثم تُعد الجهود المنسقة لتوحيد البيانات وزيادة تحمل المخاطر وتحسين الشفافية أمر حيوي لسد هذه الفجوة وتعزيز الأطر العالمية للأمن الغذائي والتغذية.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان