«البلاستيك».. سم يقتل المواطنين

«البلاستيك».. سم يقتل المواطنين«البلاستيك».. سم يقتل المواطنين

*سلايد رئيسى24-12-2018 | 20:47

كتب: على طه

تحذيرات دائمة من استخدام المصنوعات البلاستيكية في الأغراض الغذائية للإنسان، آخرها نشر دراسة بريطانية تؤكد أن عبوات المياه البلاستيكيّة تعد أكبر مرتع للبكتيريا والأوساخ بمجرد إعادة استخدامها، مقدمة نصائحها بعدم شرب المياه من العبوة نفسها مرات عدة من دون غسلها، قائلة: "إن العبوات المستخدمة أقذر من المراحيض".

البلاستيك في قفص الاتهام

تتجه أصابع الاتهام مجدداً نحو البلاستيك، كونه متهماً ثبتت عليه التهم المؤكدة في قضايا صحية وبيئية كثيرة، وعلى الرغم من التحذيرات العلمية والطبية، نلحظ إهمال الكثير في استهلاك عبوات المياه البلاستيكية «ذات الاستخدام الواحد» لأكثر من مرة، واستخدام الأكياس البلاستيكية، وشرب عبوات الماء المعرضة لحرارة الشمس دون وعي بالخطر المحتمل الذي يشكله البلاستيك، الذي تتحرر جزيئاته والمواد الكيميائية الداخلة في صناعته بفعل الحرارة وأهمها مادة (BPA) حيث تشبه التركيبة الكيميائية لهذه المادة تركيبة هرمون الأستروجين ما يفسر تأثيرها على الثدي والجهاز التناسلي، ويتسبب استهلاكنا المتكرر للمنتجات البلاستيكية في تراكم جزيئات صغيرة من البلاستيك داخل الجسم ووصولها إلى مجرى الدم والجهاز الليمفاوي، وليس مستبعداً أن تصل إلى الكبد على المدى الطويل؛ مما يزيد المخاطر بالتأثير السلبي على عمل الجهاز المناعي، حسب ما توصلت إليه آخر الدراسات العلمية الحديثة.

الديوكسين.. قاتل خفي

فهم خاطئ ينتشر كالهشيم بين أفراد المجتمع، أنه كلما استخدمت عبوة الماء لأكثر من مرة، سوف تسهم في الحفاظ على البيئة، دون إدراك أن هذه العبوة قد تكون صالحة للاستخدام فقط لمرة واحدة، إذ قد تحمي بيئتك من التلوث، ويبقى جسدك مقبرة تأوي إليها تلك المواد الكيميائية المهاجرة من النسيج البلاستيكي، وتستقر سموماً في جسدك.

فظاهرة ترك عبوات المياه البلاستيكية في السيارات واستهلاكها على فترات طويلة، بعد تعرضها لدرجات الحرارة العالية أمر يغفل عنه العديد وهو شائع جداً. وهنا يتساهل الكثير في ترك عبوات المياه البلاستيكية في الخارج تحت أشعة الشمس أو في السيارات، وتعرض هذه العبوات لحرارة الشمس وحرارة السيارة، واستهلاكها فيما بعد، ظاهرة سلبية عند البعض، إذ يحدث تحول كيميائي للعبوة البلاستيكية بفعل الحرارة والرطوبة، وتتسرب هذه المواد للماء وأشهرها مادة الديوكسين، التي أثبتت العديد من الدراسات ارتباطها الوثيق بالإصابة بمرض سرطان الثدي. كما يتساءل البعض التشدد على المطاعم والمقاهي بضرورة التفكير بحلول بيئية خضراء؟، لاسيما في ظل عدم تواجد أي معلومة حول حجم استهلاكنا السنوي للبلاستيك في الإمارات، وخلاصة الأمر أنه عندما نفرض وعينا ومدى اهتمامنا بهذه القضية، سينعكس ذلك على تعافي بيئتنا.

واستناداً لنصائح الخبراء وتوصيات الأبحاث العلمية ينصح الباحثون بتفادي القنينات التي تغلقُ بالغطاء واللجوء إلى أخرى بتقنية «الامتصاص» في الأعلى لأن هذا المنفذ الضيق أقل عرضة للبكتيريا، كما ينصحون باستهلاك قنينات مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ والعبوات الزجاجية عوضاً عن قنينات البلاستيك، وعدم تركها القنينة داخل السيارة لعدة أسابيع وتنظيفها بشكل مستمر.

ومن التوصيات أيضاً أن مياه الصنبور قد تعتبر أيضاً خياراً صحياً، لاسيما في دولة الإمارات، شرط التأكد والصيانة المستمرة لخزانات المياه وفق معايير خاصة لتكون ذات جودة عالية، كما أن حفظ الطعام بحافظات زجاج البايركس، نظراً لكونها خياراً صحياً لحفظ الأطعمة، هذا بالإضافة إلى استخدام حاويات الزجاج المغلفة بالسيليكون.

طريق نحو الاستدامة

وذكرت تقارير أن المشكلة نفايات البلاستيكية تلوث شواطئنا، وبيئتنا البحرية والبرية، كغيرها من المؤسسات أن حملات التنظيف حل مؤقت، ولكن الحل الأمثل لهذه المشكلة هو التوقف عن إدخال البلاستيك إلى بيئتنا في المقام الأول، وهذا ما يعني أن تعيد مجتمعاتنا التفكير في كيفية استخدام المواد البلاستيكية والتخلص منها».

وقف دخول البلاستيك إلى بيئتنا بطريقة غير نظامية للحد من تأثيراتها السلبية، ثم الحد من استخدام المواد البلاستيكية التي يمكن تجنبها مثل مواد التعبئة والتغليف متعددة الطبقات، والاستخدام المفرط للأكياس البلاستيكية، وأدوات المائدة البلاستيكية التي لا تستخدم أبداً، والقش - وكلها تمثل موارد مهدرة ولديها القدرة على التسبب في تلوث البيئة. وكذلك فصل وإعادة تدوير أكبر قدر ممكن اقتصادياً من البلاستيك - وإعادة تصنيعها إلى شيء مفيد.

وقد أجريت أبحاث عالية المستوى، مدعومة بأخذ العينات وإجراء الاختبارات، لإعطائنا فهم أفضل لحجم المواد البلاستيكية وحبيبات البلاستيك متناهية الصغر في الخليج ومصدر هذه المواد الملوثة، وفي مارس 2019، تم استضافة القمة العالمية للمحيطات للعام 2019، وهو المؤتمر الرئيسي لفعاليات صحيفة الإيكونوميست، والذي سنسعى من خلاله إلى الحصول على دعم إقليمي للعمل على تقليل المواد البلاستيكية في الخليج العربي ومحيطاتنا

خريطة طريق بيئية

وأكد التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة للبيئة العام الجاري تحت عنوان «البلاستيك الذي يستخدم لمرة واحدة: خريطة طريق لتحقيق الاستدامة»، والذي أكد في مقدمته إريك سولهايم المدير التنفيذي للأمم المتحدة للبيئة في مقدمة التقرير أن البلاستيك في حد ذاته ليس مشكلة، لكن تتمثل المشكلة الحقيقية في كيفية استخدامنا له. وأكد التقرير الذي سلط الضوء على تضخم كبير ومتزايد في حجم «الوحش البلاستيكي»، حيث تتم تغذيته بإنتاج 400 مليون طن من المواد البلاستيكية سنوياً، 36% منها مواد تعبئة تستخدم لمرة واحدة، أي أن حوالي 8 ملايين طن من هذه المواد ينتهي بها المطاف إلى المحيطات.

كما أشار التقرير إلى أن التلوث البلاستيكي في البيئة يطرح العديد من المخاطر الكبيرة على الحياة البرية على الأرض وفي المحيطات، ولاسيما بعد قياس نسبة التركيزات العالية من المواد البلاستيكية، وخاصة الأكياس البلاستيكية في المحيطات، حيث إن العديد من الأسماك والسلاحف والدلافين تبتلع العبوات والأكياس البلاستيكية على أنها فريسة؛ لأنها شبيهة بقنديل البحر، الأمر الذي يؤدي إلي الإصابة بالاختناق ومن ثم نفوق هذه الأسماك، وأشار التقرير أن هناك أدلة أكدت وجود مواد كيميائية سامة في البلاستيك، عند تحليل أنسجة الأسماك والثدييات التي ابتلعت تلك الأكياس وتعرضت لخطر الاختناق، فهناك جزء آخر من المشكلة، أقل وضوحاً ولكن بنفس القدر من الأهمية، وهو حبيبات البلاستيك المتناهية الصغر، فبمجرد التخلص منها تتحلل بعض المواد البلاستيكية إلى قطع أصغر وأصغر لتصبح غير مرئية تقريباً للعين المجردة، ولكنها يمكن أن تتخلل في السلسلة الغذائية.

القول الفصل

ولا شك أن أثر العقوبات والغرامات لها وقع كبير ونتائج مرضية، لكن يبقى القول الفصل في ضرورة الحظر الكلي للبلاستيك، والسبب يكمن في متانة البلاستيك، إذ تجعله غير قابل للتحلل، حيث إن بقايا منتجاته التي لا تدفن بشكل صحيح في مكبات النفايات، تولد تلوثاً يتغلغل إلى السلسلة الغذائية، وخلال عملية إنتاج البلاستيك، تمر الجزيئات العضوية بعملية كيميائية تحولها إلى سلاسل طويلة يمكن للمنتج أن يشكلها حسب الرغبة.

تحلل

العيب الرئيسي في استخدام المنتجات البلاستيكية القابلة للتحلل بيولوجياً هو أنه ينبغي التحكم بعملية التحلل، فإذا ما وصل هذا البلاستيك إلى مكب النفايات العادية، ودفن تحت أكوام القمامة، بحيث تصبح بيئته لا هوائية، أي عديمة الأكسجين، ففي مثل هذه الظروف، ستتحلل المواد العضوية بواسطة البكتيريا، لينبعث نتيجة ذلك غاز الميثان الذي يعتبر من الغازات الدفيئة السامة والقابلة للاشتعال، ويتسبب بأضرار أكبر بكثير من ثاني أكسيد الكربون، وبما أن البلاستيك العادي لا يتحلل بتاتاً، فقد يقول البعض بأن ضرره على البيئة أقل من البلاستيك البيولوجي. ومن هنا يتبين أن الطريقة الوحيدة لإبادة هذا الوباء البلاستيكي يكمن في الاستفادة من مزايا البلاستيك القابل للتحلل، من خلال فصله عن النفايات غير العضوية والتعامل معه في منشأة خاصة، هذا الشرط يقيد بشكل جدي استخدام هذا النوع من البلاستيك، لأن مثل هذه المنشآت غير متوفرة حالياً للجميع، وهي تستلزم فصلاً صارماً جداً لأنواع النفايات.

فرض رسوم

ساهم فرض رسوم في إنجلترا بما يعادل 25 فلساً، بخفض نسبة استخدام الأكياس البلاستيكية التي يستخدمها العملاء إلى 85٪، وأدى إجراء مماثل اتخذته إيرلندا إلى خفض النسبة إلى 90٪، كما حظرت إيطاليا والمغرب وكينيا استخدام الأكياس البلاستيكية، في حين فرضت بعض الدول عقوبة السجن لأولئك الذين يخالفون القانون، وذهب الاتحاد الأوروبي إلى أبعد من ذلك من خلال اقتراح قيود جديدة، والتي شملت فرض حظر تام على المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، مثل أعواد قطن الأذن، والسكاكين، والأطباق، وعيدان الطعام وأعواد شرب السوائل، وعصي البالونات، وأدخلت متطلباً آخر للدول الأعضاء لزيادة جمع الزجاجات البلاستيكية لتصل إلى 90٪ بحلول عام 2025.

خطر

وأكدت دراسة حديثة صادرة عن مجلة «علم الغدد الصماء الإكلينيكي والأيض» تؤكد خطورة التعرض للمواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك التي قد تسبب خللاً في البنكرياس مؤثرة بذلك على عملية إنتاج الأنسولين ومخففة من فعاليته، كما أشارت الدراسة أنه قد يزيد أيضاً من ارتفاع ضغط الدم، وأثبتت دراسة حديثة أخرى إسبانية - كورية أن المواد الكيميائية المهاجرة في الماء أو المواد الغذائية تقوم بزيادة عدد الخلايا الدهنية وحجمها مما يؤدي إلى البدانة واختلال في الغدد الصماء، الأمر الذي ينعكس سلباً على الهرمونات مما يؤدي إلى تحفيز الشهية وتخزين الدهون.

خطوات إيجابية للحد من الأثر السلبي للبلاستيك

الدكتور عماد سعد، خبير في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية، حول النظرة الاستشرافية لمستقبل الإمارات في ضوء الغزو البلاستيكي، وقال: «دولة الإمارات خطت خطوات إيجابية في الحد من الأثر السلبي لاستخدام الأكياس البلاستيكية التي تنتج داخل الدولة، حيث صدر في العام 2009 قرار عن المجلس الوزاري للخدمات بحظر إنتاج واستخدام الأكياس البلاستيكية والمنتجات البلاستيكية الأخرى غير القابلة للتحلل وغير المطابقة للمواصفات ابتداءً من 1 /‏‏ 1 /‏‏ 2013 وفي عام 2010 أطلقت وزارة التغير المناخي والبيئة حملة وطنية كبرى لأربع سنوات متتالية (2010 - 2013) وجعلت شعار يوم البيئة الوطني «الإمارات خالية من الأكياس البلاستيكية». وهذا يؤكد على الاهتمام الحكومي الجاد والمتنامي ويضفي أبعاداً جديدة في المعالجة.

أما عن مخاطر المواد والأكياس البلاستيكية على الصحة العامة والبيئة يمكن القول بأن الأكياس البلاستيكية تسبب نفوق عدد كبير من الحيوانات الرعوية البرية بالإمارات (الجمال والأبقار) والبحرية (السلاحف والشعاب المرجانية) 50٪ من الجِمال النافقة بسبب أكياس البلاستيك، فالبلاستيك يحتوي على مادة «الفاثيليت»، وهي مادة مسرطنة لكنها تضفي على المنتج البلاستيكي مرونة ونعومة وتدخل في صناعة الألعاب، كما يحتوي على مادة «بايسفينول»، وهي تستعمل في بعض أوعية الطعام ومراضع الأطفال، ولها آثار سلبية على بعض هرمونات الجسم.

التخلص من «الكابوس البلاستيكي»

تبادلنا أطراف الحديث مع عامل يعمل في مقهى للمعجنات الطازجة، وسألناه وهو يقدم الفطائر الساخنة مع ملحقاتها من شوكة وسكين بلاستيكيتين عن عدم استخدام بدائل للبلاستيك، وقتها قال:«لا نملك إلا البلاستيك إذ لا يثق الناس بنظافة الملاعق والشوك المصنوعة من «الستيل»، فيفضلون البلاستيك، لذلك اعتمدناه»!، وفي مطعم آخر للعصائر الطازجة و«السموذي» قالت العاملة: «أعتذر عن تقديمه هذا الوقت، لعدم توفر الماصة المناسبة، فنحن في صدد تبديلها بأخرى ورقية»، وقصص أخرى كثيرة بين مع وضد تحت هاجس «التكاليف»، وفي الوقت الذي تشهد فيه الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية صحوة بيئية، دخلت الشركة العالمية «ستار بوكس» معركة التخلص من «الكابوس البلاستيكي»، إذ تحافظ طبقة البلاستيك في أكواب «ستار بوكس» على جعل المشروبات ساخنة أطول فترة ممكنة، كما تحمي الطبقة الكرتونية الأساسية من البلل، لكن البيئة في المقابل لا بد أن تدفع ثمن تلذذنا الصباحي بكوب القهوة الساخنة، إذ يستغرق تحلل كوب واحد من هذا النوع إلى 20 سنة، ولذلك أعلنت الشركة أنها ستقوم بالتخلص تدريجياً من مصاصات الشرب البلاستيكية في جميع متاجرها بحلول عام 2020، وبدلاً من ذلك، ستقدم كوب قهوة بغطاء مرتفع يمكنك الشرب منه مباشرة، أو استخدام المصاصات الورقية الصديقة للبيئة، وبعد التقصي عن الموضوع تبين أن ولاية «سياتل» شهدت مطالبات من الأهالي بالتخلي عن الماصات البلاستيكية بسبب تكاثر النفايات البلاستيكية بما فيها الماصات على الشواطئ، الأمر الذي يهدد التنوع البيولوجي البحري، وبالتالي قامت مدينة سياتل الأميركية بخطوة مميزة لمنع استخدام البلاستيك بشكل مطلق، أدت إلى إحداث أثر بيئي ممتاز لهذه الشركة ذات السمعة العالمية، والبدء بتطبيق منتجات صديقة للبيئة هذا العام.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان