بدا لي عندما انتهيت من مشاهدة فيلم 6 أيام ، تأليف وائل حمدي وإخراج كريم شعبان في أول أفلامه الطويلة، أن الطريق مفتوح الآن لكي يعود الفيلم الرومانسي المصري بطريقة ناضجة تماما، وبشكل لا يجعل الرومانسية نقيضا للواقع، بل بمزيج مدهش وجيد، بأن تخرج المشاعر والأحاسيس، وسط حياة معاصرة معقدة، وأن يستفيد الصراع من ذلك، وبأن نشعر بأن هذه الحكايات قادمة من تفاصيل الحياة اليومية، وأن تحلل عاطفة الحب المراوغة في هذا الإطار الجديد.
هكذا فعلت وسام سليمان و محمد خان فى فيلمهما البديع «فى شقة مصر الجديدة»، الذى بنيت عقدته كلها على اختبار بطلته نجوى لوجود الحب من عدمه، أقصد بذلك وجوده فى قلب الواقع، وليس فى الروايات، إنه فيلم عن العاطفة فى قلب اليومى والعادى وتفاصيلهما، وهو عمل ناضج، بل هو الفيلم النموذج، الذى ظل متفردا، وبدون أن يصنع حالة متصلة.
مع فيلمى "6 أيام"، وقبله الفيلم الناجح "الهوى سلطان"، يمكننا الحديث الآن عن بداية حالة تستكمل ما قدمه فيلم "فى شقة مصر الجديدة"، وتتأمل الحب فى الواقع الحي، وليس بعيدا عنه، وما بين فيلمى "الهوى سلطان"، و"6 أيام" تقاطعات كثيرة، منها أولا أنهما من إنتاج شركة واحدة، من الواضح أنها تريد أن تعيد السينما الرومانسية بصورة معاصرة، وعلى موجة هذا الجيل، و«6 ايام» يقدم تحية مباشرة لفيلم "الهوى سلطان"، عندما يلتقى أحمد مالك وآية سماحة صدفة فى سينما تعرض فيلم "الهوى سلطان"، وفيلمنا الجديد يقدم التحية أيضا للأغانى وللموسيقى، التى تلعب دورا اساسيا فى التعبير عن دراما الفيلم، مثلما قدم "الهوى سلطان" التحية لأغنيات بهاء سلطان.
لكن التقاطع الأهم كما ذكرت فى أننا فى الفيلمين أمام حكايتين رومانسيتين تخرجان من قلب الواقع، بكل تفاصيله وتعقيداته المعاصرة، كما أن فى الفيلمين مشكلات مؤثرة جدا على أبطاله، تتعلق مباشرة بالأب، وكأن هناك مسافة واضحة مع الجيل السابق: سنجد ذلك فى "الهوى سلطان" فى علاقة بطلته منة شلبى مع والدها عماد رشاد، وسيظهر ذلك بوضوح أكبر فى "6 أيام" فى علاقة بطله يوسف ( أحمد مالك) مع والده، الذى أجبره على أن يصبح طبيب أسنان، ليحقق للأب ما فشل فى تحقيقه، وكذلك فى علاقة بطلة الفيلم عالية (آية سماحة) مع والدها، الذى خان أمها، مما أورث عالية شعورا بالإضطراب، وربما عدم الأمان فى حياتها المستقبلية، أى إن العلاقة بالأب مؤثرة فى دراما الفيلمين، ومن مفاتيح قراءتهما.
ورغم هذه التقاطعات، إلا أن الفيلمين سرعان ما يختلفان كثيرا أيضا، وبشكل عام فإن "6 أيام" يتغلب على كل المشكلات التى أخذتها على تجربة "الهوى سلطان"، والذى ذكرت فى مقالى عنه أن العلاقة بين بطليه لم تؤسس نفسيا بشكل جيد، فوجود الصداقة لا ينفى وجود الحب وراءها، وكان يجب أن تظهر إشارات على ذلك، على الأقل عندما بدأ ارتباط كل طرف بطرف آخر.
من ناحية أخرى، فإن المشاهد الحوارية الطويلة فى "الهوى سلطان"، لم تكن مدعومة بهذه اللغة غير المنطوقة، والتى تظهر فى اللفتة وحركة الجسد والجو العام، إنها مشاهد تقريرية فى معظمها، بالإضافة إلى تفريعات زادت من طول الفيلم.
تلافى وائل حمدى كل ذلك، وهو سينارسيت متميز شاهدنا له من قبل أعمالا مثل "ميكانو"، و"هيبتا"، و"أنف وثلاثة عيون"، فالموضوع أصلا ليس عن اكتشاف الحب أسفل طبقة صداقة كثيفة كما فى "الهوى سلطان"، وليس عن محاولة البطلين اكتشاف حقيقة مشاعرهما كما فى الفيلم السابق، ولكن الحكاية عن حب قديم يراد بعثه وسط التغيير الشامل الذى يصنعه الزمن فى البشر، بل يصح أن نقرأ فيلم "6 أيام"، بعنوانه الذى يدل على الزمن، وبعنوان فرعى آخر ملحق به هو "وعملت إيه فينا السنين؟"، على أنه حكاية "عن الحب والزمن"، فالبطلان يوسف وعالية يتغيران شكلا ونضجا وموضوعا، ولكن الحب يظل سلطانا موجودا لا يتغير.
المشاهد أيضا طويلة فى "6 أيام"، والحوارات لا تتوقف، ولكن هناك أمر مهم جدا هو شبكة كاملة من المشاعر غير المنطوقة، التى يترجمها مرور الزمن، باستخدام الأغنيات، والتى يعبر عنها فى نفس الوقت أحمد مالك وآية سماحة بنظرات العيون، وحركة الجسد، وكأن ما ينطقان به مختلف عما يشعران به، ولكنهما يخشيان المواجهة، ويخافان من كسر هذه الحلقة المفرغة من لقاءات فى نفس اليوم، كل عدة سنوات، حتى تنكسر هذه الحلقة فعلا، باللقاء فى يوم غير اليوم المتفق عليه، وأخيرا باللقاء فى السينما.
بناء السيناريو كله على شكل فترات زمنية لها عناوين، تقفز أحيانا إلى سبع سنوات مثلا، وتحويل كل جزء إلى ما يشبه حلقة المسلسل، ووجود أحداث غير منظورة، بل وشخصيات شبحية لا تظهر أبدا، ولكنها مؤثرة، مثل والد عالية الخائن، ووالد يوسف المتحكم، ومثل زوج عالية الذى ضربها، وزوجة يوسف التى أنجبت له طفلا، كل ذلك جعلنا أمام بناء مشوق، فيه عناصر ثابتة باللقاءات فى الشوارع، وفى الكافيهات، ولكن فيه زمن متغير، ومشاعر مستترة، وأحداث وشخصيات خارج المسرح، ولكنها تؤثر على ما يجرى على خشبة المسرح، مع توظيف ممتاز عموما للمكان، ولحضور الزمن بتغيرة هيئة الممثلين، وملابسهم، والأغنيات التى تم توظيفها بشكل رائع، لأسماء كثيرة مثل محمد منير وعمرو دياب وعبد الحليم حافظ.
يمكن أن تلاحظ لغة جسد مالك بالذات، ونظرات آية، لكى تدرك أن الحب هناك تحت هذه الثرثرة، بل إن هذه الثرثرة ضرورية للاستمرار، وللهروب من الحب، وبينما يعتقد يوسف ، وكذلك عالية، أن الزمن عدو، وأن الأقدار لن تسمح لهذه العلاقة أن تكتمل أبدا، نكتشف فى النهاية أن الزمن المتغيّر حفظ هذه المشاعر، ومنح الشخصيات الوقت للشفاء والتعافى، استعدادا لبداية جديدة.
كل شيء ممكن طالما كان الحب موجودا، وطالما أن الشخصيات تلتقي، سواء فى يوم محدد، أو فى وقت عفوي، والصدفة فى الفيلم أساسية ومحورية، وهى ليست دليل عجز درامى عن إيجاد بديل، فما أسهل اختراع الأسباب والمواقف، ولكن الصدفة هى رسول القدر نفسه، وكأن هناك سيناريو أشمل، فى مكان آخر، يعدّل من فوضى يوسف وعالية، ويقودهما إلى نهاية أخرى لا يعرفانها.
هنا تحية ذكية لأقدار لا نعرفها، وحسن ظن يتبناه الفيلم تجاه الزمن، الذى يبدو فى تراث الغناء الشرقى عدوا صريحا للعشق وللعشاق، يتطلب من المحمين الاختباء منه ومغافلته، ويقدم الفيلم أيضا تحية عذبة للسينما: أول مشهد فى دار عرض ويوسف وعالية يشاهدان فيلم "دنيا" لمحمد منير وحنان ترك، وآخر مشهد يوسف وعالية يشاهدان فيلم "الهوى سلطان".
السينما هنا ليست فقط معرض حكايات العشق، ولكنها أيضا رسول هذا العشق، وجسر التواصل.
ويتبقى فى الذاكرة أمران: هشاشة داخلية عند البطلين، حتى عالية، التى تظهر أقوى فى الظاهر طوال الوقت، ومنذ مرحلة المدرسة، ولكننا نراها تحكى عن انسحاقها أمام زوجها الشرس، وتبدو فعلا خائفة ومضطربة.
الأمر الثاني، علاقة بائسة مع الأب، وربما مع الجيل السابق كله، هذا الخط واضح جدا، ويقول بلا مواربة أن الآباء مشكلة صنعت فجوة نفسية هائلة داخل الشخصيات.
فى تجربته الأولى يبدو كريم شعبان مخرجا ناضجا، لا يستعرض بالكاميرا، ويعرف كيف يحافظ على إيقاع المشهد، ويخلق الجو والمكان المناسبين، فمثلا مشهد المواجهة المهم الذى يكشف أسرار حياة عالية، نرى فيه خلفية رمادية ضبابية، ثم ننتقل معها هى ويوسف إلى كازينو بخلفية سوداء، تظهر على البعد فيها أضواء متناثرة كالنجوم.
أحمد مالك وأية سماحة فى أفضل حالاتهما وأدوارهما، لم تفلت منهما لحظة تعبير أو مشاعر، تحدثت عن لغة العيون والجسد، لكن هناك ما هو أهم، هو تلك الكيمياء بينهما، هذه الجاذبية الخفية، وذلك الإيقاع المنضبط للحوارات الطويلة، وبالطبع كل ذلك من أدوار المخرج الأساسية.
عناصر كثيرة جيدة أيضا مثل موسيقى الملحنة السورية «ليال وطفة» وصورة أحمد طارق بيومى ومونتاج أحمد يسري، الفيلم كله جو وطقس وحالة متكاملة، كما هو الحال فى أى فيلم سينمائى ناضج .
"6 أيام" يكاد يترجم دراميا أغنية محمد حمزة وبليغ ووردة، والتى تسأل فى البداية "وعملت ايه فينا السنين ؟"، ثم تنفى أنها غيرت المحبة.
حكايتنا عن الحب الذى يتحدى الزمن، طوال الوقت، وعلى مر العصور.