في لحظة غضب قد نفقد السيطرة، ولكن بعض الأفعال تترك جراحًا لا تندمل، ليس فقط في الجسد، بل في الروح أيضًا. بين جدران عيادة عيون، واجه الطبيب قصة إنسانية مؤلمة لفتاة صغيرة، أخفت الحقيقة ببراءة من أجل حماية والدتها، بينما كانت تدفع الثمن غاليًا ببصرها. في هذا التقرير، نسرد الحكاية كما رواها د. محمد أحمد المصري، استشاري جراحة العيون، لعلها تكون جرس إنذار لكل أب وأم.
يروي د. محمد أحمد المصري، استشاري جراحة العيون، موقفًا مؤثرًا مرّ به داخل عيادته، قائلاً:
دخلت عيادتي ذات يوم طفلة تبلغ من العمر ثماني سنوات، كانت شديدة الجمال، هادئة وواثقة، جلست على كرسي الفحص برفقة والدها، رجل في الثلاثينات يبدو محترمًا ومهذبًا.
كعادتي، أحرص على أن أبدأ الحديث مع الطفل نفسه، وأمنحه فرصة للتعبير عن شكواه. حين سألتها عما يؤلمها، أجابت باختصار شديد أنها سقطت على قلم رصاص وأصاب عينها اليمنى بقوة. استغربت القصة قليلًا، فسألتها ما إذا كانت تجري بالقلم وسقطت عليه، خاصة وأن مثل هذه الحوادث شائعة. لكنها لم تزد حرفًا، وصمتت.
كانت نظرات الطفلة ووالدها توحي بأن هناك شيئًا غير مريح، فقررت أن أبدأ الفحص.
من الخارج، بدت العين سليمة تمامًا، لا احمرار ولا جروح، لكن المفاجأة كانت كبيرة: الطفلة بالكاد ترى الضوء بعينها اليمنى، ولا تستطيع حتى تمييز عدد أصابعي على بعد بسيط.
عند فحص قاع العين، اكتشفت وجود التهاب شديد في العصب البصري، وهو ناتج عن خبطة عنيفة. شرحت لوالدها أن الحالة حرجة، وبدأنا فورًا علاجًا بالكورتيزون للسيطرة على الالتهاب، لكنني أوضحت له أن الأمل في استعادة البصر ضعيف للغاية بسبب شدة التلف في العصب.
قبل أن يغادر، أخرج الأب الطفلة إلى الاستراحة وعاد إليّ منفردًا، ثم قال بصوت خافت: "دكتور، البنت ما وقعتش على القلم ولا حاجة... كانت بتذاكر، وأمها شدت شعرها وضربت راسها في المكتب وهي ماسكة القلم، فدخل القلم في عينها."
توقفت للحظة، وصدمني كلامه، رغم أنني كنت قد استشعرت أن هناك أمرًا غريبًا. أكمل الأب حديثه بحزن: "البنت رفضت تقول الحقيقة علشان بتحب أمها وخايفة تجرح صورتها قدامك."
مرت السنوات، والطفلة أصبحت مراهقة في الثالثة عشرة، لكنها فقدت بصرها في تلك العين نهائيًا، نتيجة ضمور كامل في العصب البصري. وللمفارقة، حضرت الأم معها مرة بعد الحادث بعامين، وكانت عيناها لا تفارق الأرض خجلًا مما حدث.
يختم الطبيب قصته قائلاً: "مهما كان غضبك من طفلك، لا تمد يدك إلى وجهه، فقد تترك فيه أثرًا لا يمحى مدى الحياة. نحن كأطباء عيون نرى يوميًا حالات مشابهة من إصابات الأطفال، بعضها يُشفى، لكن كثيرًا منها ينتهي بمآسٍ دائمة. فرفقًا بأطفالكم... رفقًا بقلوبهم وأجسادهم."