"رحلة الزجاج".. من كنوز الفراعنة إلى مصانع الطاقة الشمسية

"رحلة الزجاج".. من كنوز الفراعنة إلى مصانع الطاقة الشمسيةصورة أرشيفية

منوعات1-7-2025 | 14:34

منذ أن صهر الإنسان رمال الصحراء تحت لهيب النيران ليصنع الزجاج، لم يتوقف هذا الاختراع الشفاف عن مرافقة الحضارات في رحلتها عبر الزمن، فمن أواني الفراعنة المزخرفة وأقراطهم الملونة، إلى ناطحات السحاب الذكية، وشاشات الهواتف المحمولة، وخلايا الطاقة الشمسية، ظل الزجاج حاضرا كعنصر جمالي ووظيفي وتكنولوجي.

ومع بروز تحديات البيئة وتغير المناخ، أصبح الزجاج أحد رموز الاستدامة العالمية، لذا لم يكن غريبا أن تعلن الأمم المتحدة عام 2022 "عاما دوليا للزجاج"، احتفاءً بمادة تجمع بين إرث الماضي ووعود المستقبل، في هذا التقرير نستعرض القصة الكاملة للزجاج، من حضاراته الأولى إلى صناعته الذكية مرورا بتحولاته التكنولوجية، وأهميته الاقتصادية في مصر ومشروعاته الكبرى التي تبني غدا أخضر على أرض الواقع .

جذور عميقة

يمتد تاريخ صناعة الزجاج لآلاف السنين، إذ تشير الاكتشافات الأثرية إلى أن الفراعنة هم أول من أتقنوا صناعته، خاصة في أواخر العصر البرونزي نحو عام 1600 قبل الميلاد.

ومن مصر انتقلت تقنيات هذه الصناعة إلى بلاد الرافدين ثم إلى أوروبا، وكان الزجاج في العصور القديمة يستخدم في التزيين وصناعة الأواني وحلي الملوك، كما برع المصريون في صناعة "الفسيفساء الزجاجية" التي جمعت بين الفن والدقة اليدوية .

ويصنع الزجاج من مكونات طبيعية على رأسها رمل السيليكا، الذي يمثل أكثر من 70% من تركيبه، مع إضافة رماد الصودا لتسهيل الانصهار، والحجر الجيري لزيادة الصلابة، وأكسيد الألومنيوم لتحسين مقاومة الخدوش، وتذوب هذه المواد في أفران ضخمة ثم تُشكّل حسب الاستخدام، مع إمكانية إضافة معادن لتلوينه أو تحسين خصائصه .

أنواع حديثة

1- الزجاج الملدن ( العائم ) : هو زجاج خام غير معالج حراريًا ويستخدم في صناعة النوافذ والأثاث

2- الزجاج المقسي: يُعالج حراريًا ليكتسب صلابة ويُستخدم في صناعة الشاشات والأبواب

3- الزجاج الرقائقي: عبارة عن طبقات زجاجية تفصلها بوليمرات لمقاومة الصدمات وهو مثالي للسيارات والمباني

4- الزجاج المعزول: يحتوي على فواصل غازية لعزل الحرارة والصوت ويُستخدم في نوافذ الأبنية الحديثة

5- الزجاج الذكي: يُغير شفافيته إلكترونيًا ويوفر تحكمًا حراريًا وضوئيًا ويستخدم في المكاتب الذكية .

6- الزجاج منخفض الحديد: يتمتع بشفافية عالية ويُستخدم في الطاقة الشمسية والتصميمات الراقية

7- الزجاج العاكس: يعكس الضوء والحرارة ويستخدم في السيارات والمباني للحماية من الشمس

كنز اقتصادي واستراتيجي

ولم تعد صناعة الزجاج في مصر مجرد حرفة تراثية، بل باتت قطاعا صناعيا ذا قيمة اقتصادية كبيرة، حيث تسهم بنحو 4% من الناتج الصناعي السلعي للقطاع الخاص، بإنتاج تجاوز 120 مليار جنيه في عام 2021. كما يشارك القطاع العام من خلال شركات حكومية بنسبة إنتاج بلغت نحو 946.7 مليون جنيه في عام 2021/2022، وفقًا لبيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء .

وتبذل الحكومة المصرية جهودا كبيرة لتعزيز هذه الصناعة الاستراتيجية، من خلال عدة محاور هي :

1- مزايدات للتنقيب عن خامات الزجاج : ففي ديسمبر 2024 أطلقت هيئة الثروة المعدنية مزايدة عالمية للتنقيب عن رمال الزجاج والكاولين وذلك لتأمين المواد الخام وتشجيع الاستثمار الصناعي

2- اتفاقيات مع الشركات العالمية: ففي نوفمبر 2024 تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة التجارة والصناعة وشركتي "جلوبال ساوث يوتيليتيز" الإماراتية و"جيه إيه سولار" الصينية لإنشاء مصنعين للطاقة الشمسية، ما يفتح الباب أمام توطين الزجاج المستخدم في هذه التكنولوجيا

3- مصانع عالمية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس : مثل مصنع "سي إن جي إيجيبت نيو إنيرجي جلاس" الذي وُضع حجر أساسه في نوفمبر 2024 باستثمارات قدرها 300 مليون دولار بهدف إنتاج الزجاج المسطح والكهروضوئي بطاقة يومية 1800 طن، ومصنع "سي إس جي هولدينج" بطاقة إنتاجية 470 ألف طن من الزجاج عالي الجودة ومصنع "سان جوبان" الفرنسي باستثمارات تفوق 160 مليون يورو، وتطوير شركة "النصر للزجاج والبلور" حيث تم التوقيع على اتفاقية التطوير بالشراكة مع القطاع الخاص السعودي .

لقد تحول الزجاج من أداة للزينة في الحضارات القديمة إلى عنصر محوري في مشروعات الاستدامة والطاقة النظيفة في العصر الحديث، ومع الدعم الحكومي المتواصل وتزايد الاستثمارات العالمية في هذا القطاع داخل مصر، فإن صناعة الزجاج تعيد تعريف موقعها كرافعة اقتصادية، وصناعية، وبيئية في آن واحد. ومن نوافذ المعابد الفرعونية إلى خلايا الطاقة فوق أسطح المصانع، تبقى قصة الزجاج قصة بقاء وتجدد لا تعرف نهاية.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان