رغم التقدم النسبي في ملف تمكين المرأة، يبقى العنف الأسري، وعلى رأسه "ضرب الزوجات"، أحد أكثر الانتهاكات شيوعًا وأقلها مساءلة.
عنف يُمارس خلف جدران المنازل باسم العُرف أو الدين أو القوامة، ويُحاط بصمت اجتماعي مريب، في وقت تكشف فيه الأرقام والدراسات عن واقع مرير تعيشه ملايين النساء.
في هذا التقرير، نفتح الملف المغلق، ونسلط الضوء على الأبعاد القانونية والاجتماعية والنفسية والدينية لهذه الظاهرة، مدعومين بدراسات وتحليلات تضع الظاهرة في سياقها الأوسع.

واقع مرير وأرقام مفزعة
بحسب الأمم المتحدة، 736 مليون امرأة - أي واحدة من كل ثلاث نساء - حول العالم تعرضت لعنف جسدي أو جنسي من شريك حميم.
وفي مصر، كشف مسح مشترك بين "القومي للمرأة" و"التعبئة العامة والإحصاء" أن أكثر من 8 ملايين سيدة يتعرضن للعنف، بينهن 5.6 مليون من قبل الزوج أو الخطيب، وتصل نسبة الزوجات اللاتي يتعرضن للعنف الجسدي إلى أكثر من 80%.
وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن الآلاف من النساء يضطررن لمغادرة منازلهن سنويًا بسبب العنف الأسري.

العنف غير المرئي أخطر من الضرب
توضح أ.د. سهير صفوت، أستاذ النظرية الاجتماعية ورئيس قسم الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن العنف ضد المرأة لا يتوقف عند الضرب، بل يشمل أشكالًا نفسية واقتصادية وثقافية تُمارَس دون أن تُرى، لكنها تترك جروحًا عميقة.
وتؤكد أن "المرأة تُنتهك يوميًا باسم القوامة، وبحجج تراثية، تعزز دونيتها وتكرّس سلطة الرجل المطلقة في الأسرة"، مشيرة إلى أن هذه الانتهاكات ليست حالات فردية معزولة، بل هي انعكاس لبنية اجتماعية أعمق تمنح الرجل سلطات واسعة داخل الأسرة، دون مساءلة أو توازن في مراكز القوة، مما يفتح الباب لإساءة استخدام تلك السلطات بشكل ممنهج.
وتؤكد أن فهم الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على بعد واحد فقط، بل يستدعي تبني مقاربة متعددة المستويات تأخذ في الاعتبار السياقات النفسية والاجتماعية والثقافية والقانونية المحيطة بالمرأة.
الفقر والمخدرات والأمية وراء جرائم العنف
دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية رصدت أن أغلب مرتكبي العنف من فئة الشباب (20–40 سنة)، ويعيشون في المناطق الحضرية بنسبة 89%.
كما تبين أن 41% من الجناة كانوا تحت تأثير المخدرات لحظة ارتكاب العنف، و52% من الضحايا أقررن أن الزوج كان مدمنًا أو متعاطيًا.
العنف ضد النساء قضية بنيوية عابرة للحدود

وتحت مظلة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، تكشف د. هند فؤاد السيد، أستاذ علم الاجتماع المساعد ورئيس قسم بحوث المجتمعات الريفية والصحراوية، عن نتائج دراسة تحليلية موسعة تُسلط الضوء على واقع العنف ضد النساء والفتيات عالميًا.
تقول د. هند فؤاد،، إن العنف ضد النساء لم يعد مجرد انتهاك فردي، بل هو تعبير عن اختلال عميق في توازن السلطة داخل المجتمعات.
تؤكد د. هند أن هذا العنف يمارس في كل مكان: المنزل، المدرسة، العمل، الشارع، وحتى في مخيمات النزوح. وتشير إلى أن جائحة كوفيد-19 عمّقت من حجم الظاهرة، مع ارتفاع معدلات العنف المنزلي والتحرش والزواج القسري.
وتشير إلى أن ما يزيد خطورة الظاهرة، أن العنف ضد المرأة يتغذى على بنية ثقافية تاريخية ترى المرأة "تابعة"، وتربط قيمتها بموقعها داخل الأسرة، وتُخضعها لمفاهيم الطاعة والسيطرة الذكورية، مما يجعل بعض الممارسات العنيفة مقبولة اجتماعيًا، أو "مُبررة" باسم التقاليد
وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن امرأة واحدة من كل ثلاث نساء على مستوى العالم تعرضت لعنف جسدي أو جنسي مرة واحدة على الأقل في حياتها، وهناك امرأة واحدة تُقتل كل 11 دقيقة على يد شريك حميم، وخمس نساء يُقتلن كل ساعة على يد أحد أفراد الأسرة.
وكشفت الدراسة أن نسب انتشار العنف من قبل الشريك تتصاعد في بعض المناطق مثل جنوب شرق آسيا (37.7%)، وشرق المتوسط (37%)، وإفريقيا (36.6%)، بينما تقل في الأمريكتين وأوروبا، لكنها تبقى مقلقة، لتبين أن العنف موجود في جميع المجتمعات، وإن اختلفت درجته وحدته.
ورغم توقيع غالبية الدول على اتفاقيات دولية مثل "السيداو" واتفاقية مناهضة التعذيب، لا تزال النساء والفتيات، خصوصًا في أوقات النزاع والكوارث، يواجهن مستويات غير مسبوقة من العنف.
فالحروب وسياقات عدم الاستقرار تعيد إنتاج ما يسمى بـ"دوائر العنف"، إذ تتعرض المرأة للعنف طيلة مراحل عمرها، من الطفولة حتى الشيخوخة، داخل الأسرة وخارجها.
ومن هذا المنطلق، تؤكد دكتوره هند إن التغيير الحقيقي يتطلب مراجعة جذرية للثقافة السائدة، وتفكيك آليات الهيمنة الرمزية والاجتماعية التي تضع المرأة دائمًا في موضع "الأقل"، وتعمق هشاشتها، خصوصًا في البيئات الفقيرة والمهمشة.

أبرز أشكال العنف ضد النساء والفتيات
بحسب إعلان الأمم المتحدة للقضاء على العنف ضد المرأة (1993)، فإن العنف القائم على النوع يشمل كل أذى جسدي أو جنسي أو نفسي تتعرض له المرأة، سواء في الحياة العامة أو الخاصة، ويتنوع بين:
العنف الجسدي والنفسي والجنسي: إيذاء مباشر أو لفظي أو تحرش.
العنف الاقتصادي: الحرمان من التعليم، أو العمل، أو الميراث.
العنف الثقافي والاجتماعي: فرض العادات والتقاليد التمييزية.
العنف الإلكتروني/الرقمي: التهديد، الابتزاز، أو الاستغلال عبر الإنترنت.
ويُعد العنف الرقمي أحد أكثر الأشكال تفشيًا حاليًا، خاصة مع ما أشارت إليه الأمم المتحدة بأن 49% من النساء العربيات لا يشعرن بالأمان في الفضاء الرقمي، وأن ثلث النساء اللواتي تعرضن للعنف الإلكتروني أكدن أن الأمر امتد إلى واقعهن اليومي.
لماذا يُمارس هذا العنف؟ الأسباب متعددة ومعقدة
ثقافيًا واجتماعيًا: التنشئة الاجتماعية تُرسّخ خضوع المرأة، وتُبرر العنف باسم التربية أو الشرف. وغالبًا ما يتم تعليم الفتيات تقبّل الإهانة والخضوع، مقابل تمكين الذكور من السيطرة.
اقتصاديًا وبيئيًا: الفقر، والبطالة، والضغوط المعيشية تدفع الرجال أحيانًا لممارسة العنف كوسيلة تنفيس أو سيطرة. كما تساهم الكوارث البيئية والازدحام وتراجع جودة الحياة في تعقيد الموقف.
نفسيًا وتربويًا: الرجل العنيف غالبًا ما يكون ضحية لعنف سابق، أو يعاني من اضطرابات نفسية، أو تربى في بيئة غير آمنة. وهو ما تؤكده نظريات "تناقل العنف عبر الأجيال".
قانونيًا: ضعف التمكين القانوني للنساء، وعدم توفر الحماية الكافية أو البدائل الاقتصادية، يدفع الكثير منهن للاستسلام للوضع القائم، خشية فقدان الأطفال أو التعرض للمزيد من الانتهاكات.
الآثار المتعددة للعنف الموجه ضد النساء
نفسية: اكتئاب، انعدام الثقة، اضطرابات نفسية وجسدية مزمنة.
اجتماعية: إعادة إنتاج التمييز، وغرسه لدى الأطفال ذكورًا وإناثًا.
صحية: أمراض مزمنة، إصابات جسدية، اضطرابات في الحمل والإنجاب.
رقمية: الإقصاء من الفضاء الإلكتروني وتراجع المشاركة المجتمعية.
جهود المواجهة بين الطموح والواقع
أطلقت بعض الدول، ومنها مصر، مبادرات متنوعة منها:
تعديل القوانين لحماية النساء.
حملات إعلامية وتثقيفية عبر المجلس القومي للمرأة.
الخطوط الساخنة لتلقي الشكاوى بشكل آمن وسري.
لكن هناك فجوة واضحة في التمويل والتطبيق، كما تؤكد تقارير دولية عدة، من بينها تقرير المرصد الإقليمي للمجتمع المدني، الذي رصد أن معظم دول جنوب المتوسط لا تخصص ميزانيات كافية لمكافحة العنف ضد المرأة، رغم اعتمادها اتفاقيات المساواة.
كما أظهرت الدراسة ضعف التناول الإعلامي للظاهرة، وتكرار القوالب النمطية، بل وتحميل الضحايا المسؤولية ضمنيًا في بعض البرامج.
آليات الحماية
تؤكد د. هند فؤاد أن حماية النساء والفتيات من العنف تتطلب تدخلات متكاملة على مستويات متعددة، من خلال الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، وسد الثغرات في التشريعات والسياسات، وضمان التنسيق بين الجهات المعنية. وتتمثل أبرز آليات الحماية في:
1. على المستوى القانوني والعدلي:
سن قانون موحد يشمل جميع أشكال العنف ضد النساء ويضمن تجريم المعتدين وتوفير خدمات وقائية ورعائية.
إنشاء وحدات شرطية وقضائية متخصصة بقضايا العنف، وتوفير المرافقة القانونية المجانية.
2. على المستوى الصحي:
إتاحة مرافق صحية متخصصة لرعاية ضحايا العنف.
إنشاء مراكز إيواء وأزمات للنساء المتضررات، وتدريب العاملين الصحيين على اكتشاف العنف والتعامل معه.
3. على المستوى المجتمعي:
إطلاق حملات توعوية وطنية تستهدف تغيير المواقف المجتمعية إزاء العنف، وخاصة في الفئات غير المرتبطة بالإنترنت.
تدريب العاملين في الصحة والشرطة والخدمات الاجتماعية على آليات الاستجابة للضحايا.
4. على المستوى التعليمي:
مراجعة المناهج لتضمين مفاهيم المساواة ومكافحة العنف.
تدريب المعلمين على التصدي للقوالب النمطية وتعزيز ثقافة الاحترام بين الجنسين.
5. على مستوى الإعلام:
وضع خطط إعلامية لدعم قضايا المرأة ومكافحة العنف ضدها.
تدريب الإعلاميين على تغطية قضايا العنف بشكل مهني، والتصدي للصور النمطية السلبية.
6. على المستوى الاقتصادي:
تخصيص بنود واضحة في الموازنات الوطنية لمناهضة العنف.
دعم تمكين النساء اقتصاديًا من خلال فرص التعليم والعمل، لضمان استقلاليتهن وقدرتهن على مواجهة الأزمات.
وتؤكد د. هند أن هذه الآليات لا يمكن أن تنجح دون التزام سياسي ومجتمعي حقيقي، يضمن تطبيق القوانين وتغيير الثقافة السائدة، وصولًا إلى مجتمع أكثر عدالة وأمانًا للنساء والفتيات.
ختامًا، تقول د. هند فؤاد: "مناهضة العنف ضد النساء لا يجب أن تبقى شعارًا أو حملات موسمية، بل مسؤولية متواصلة تتطلب تغييرًا جذريًا في الثقافة والتعليم والإعلام، إلى جانب إرادة سياسية وتشريعية حقيقية. وحدها المرأة الآمنة قادرة على بناء مجتمع آمن."

جريمة لا تسقط بـ"حق التأديب"
رغم أن بعض الممارسات المجتمعية لا تزال تبرر ضرب الزوجة تحت ستار "حق التأديب"، إلا أن القانون المصري يراها جريمة جنائية مكتملة الأركان.
تؤكد المحامية مريم جابر، المتخصصة في قضايا الأسرة، أن ضرب الزوج لزوجته يُعد جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات المصري، بحسب جسامة الأذى الناتج: من إصابة بسيطة (مادة 242)، إلى عاهة مستديمة (مادة 240)، أو وفاة (مادة 236).
وتوضح أن الضرب في كل الأحوال، سواء تم بدعوى التربية أو الغضب، لا يُعد مبررًا قانونيًا، بل يُشكل أساسًا لدعوى طلاق للضرر، دون أن تفقد الزوجة حقوقها الشرعية.
وتُضيف جابر أن الطلاق للضرر يشمل حالات متنوعة، منها:
الاعتداء بالضرب أو السب أمام شهود
الغياب دون مبرر لمدة عام أو أكثر
عدم الإنفاق أو الحبس الطويل
الإصابة بعيب جسيم مثل العنة أو الجذام
الهجر لمدة 6 أشهر داخل نفس البلد
الزواج من أخرى إذا اقترن بضرر نفسي أو مادي
وتختتم بالتنويه إلى أن حكم الطلاق للضرر قابل للاستئناف خلال 40 يومًا، وبعدها يُعد نهائيًا وباتًا.
القوامة ليست ترخيصا للعنف
ويقول الشيخ حسام فوزي، الباحث في الفقه الأسري ومُدرس علوم الشريعة : "القوامة في الإسلام ليست ترخيصًا بالعنف، كما يتوهم البعض، بل هي مسؤولية قيادية قائمة على الحكمة والرعاية، لا على القهر والضرب، الشريعة الإسلامية لم تُعطِ الرجل الحق المطلق في ضرب زوجته، بل جاء ذلك في إطار محدود جدًا، مشروط ومقيد بضوابط دقيقة".
ويضيف: "ضرب الزوجة، كما ورد في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ...}، لا يُفهم منه الإيذاء، بل هو في أقصى حالاته ضرب رمزي غير مبرّح، لا يُهين ولا يُؤذي، ويأتي في مرحلة متأخرة جدًا من التدرج: بعد الوعظ، ثم الهجر، ثم التنبيه الرمزي".
ويتابع: "النبي عليه الصلاة والسلام نفسه، وهو القدوة، ما ضرب امرأة قط، وقال في الحديث الشريف: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي".
ولو كان الضرب أسلوبًا مقبولًا في الحياة الزوجية، لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يفعل، لأنه يتنافى مع روح الإسلام القائم على الرحمة".
ويؤكد الشيخ حسام: "كل أذى نفسي أو جسدي تتعرض له المرأة باسم القوامة هو اعتداء مرفوض شرعًا، بل هو تشويه لمعنى القوامة، وتحويلها من تكليف بالرحمة إلى تسلط باسم الدين. القوامة الحقيقية إدارة بالحكمة، لا بالقوة، ومسؤولية لا امتياز".
ويختم قائلًا: "اليوم، ومع تطور الحياة وتعقيد العلاقات، أصبح من الضروري التأكيد على أن أي عنف داخل الأسرة محرم شرعًا ومجرم قانونًا، ولا يمكن تبريره بأي نص ديني. علينا أن نعود لفهم الإسلام كما أراده الله، لا كما يشوّهه الجهلاء".