تتجه سلطنة عُمان فـي تنمية المحافظات وجلب الاستثمارات إلى إعطاء دور أكبر للمحافظات فـي إدارة الموارد الاقتصادية وتوفـير بيئة استثمارية من خلال توظيف المقومات المكانية وتفعيل مختلف الجوانب الاقتصادية بناءً على مكوناتها ونسيجها كميزة نسبية لكل محافظة، بهدف تعزيز النشاط الاقتصادي فـي المحافظات الـ11، وصولًا إلى تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة على المستوى الوطني.
وتحظى التنمية المستدامة وتأسيس المدن الذكية وتطوير المحافظات وتمكينها من استقطاب الاستثمارات باهتمام «رؤية عُمان 2040»، فـي إطار تنمية شاملة ومتوازنة تشمل جميع محافظات سلطنة عُمان وتتميز باللامركزية الإدارية والاقتصادية.
وتتطلع «رؤية عُمان 2040»، فـي أولوية تنمية المحافظات والمدن المستدامة، من خلال أهدافها وتوجهها الإستراتيجي إلى الاستخدام المستدام للأراضي وتأسيس مناطق حضرية وريفـية ذات تراث طبيعي وثقافـي تتميز بالمرونة والقدرة العالية على التعامل مع المتغيرات المناخية فـي إطار تنمية متوازنة وعادلة تعزز الميزة النسبية والتنافسية للحواضر والمحافظات، كما تهتم الرؤية بالمدن الذكية المستدامة والريف الحيوي، بحيث تتميز هذه المدن بجودة عمرانية عالية للمعيشة والعمل والترفـيه، وبنية أساسية عالمية المستوى، ووسائل نقل متنوعة وسهلة الوصول، ومتكاملة مع التنمية العمرانية.
وتسعى الرؤية إلى الاهتمام بمحور «اللامركزية الإدارية والاقتصادية» حيث يمثل تفعيل اللامركزية خطوة أساسية نحو تحقيق أهداف أولوية تنمية المحافظات والمدن المستدامة فـي إطار «رؤية عُمان 2040»، بدءًا من تعزيز المشاركة المجتمعية وتمكين المحافظات فـي اتخاذ القرارات وتوزيع الثروات والفرص، بما يعزز التوازن الاقتصادي والتنمية العادلة بين المحافظات ويعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
ومن أبرز الإنجازات التي تحققت على صعيد تفعيل اللامركزية إصدار المرسوم السلطاني رقم 2022/36 حول نظام المحافظات، مما يعكس التزام الحكومة بتعزيز الإدارة المحلية وتمكين المحافظين.
كما تم رفع المبالغ المخصصة لبرنامج تنمية المحافظات من 10 ملايين ريال عُماني إلى 20 مليون ريال عُماني لكل محافظة، تعزيزًا لنهج الشفافـية والمساءلة، ودعمًا لمشاركة المجتمع المحلي فـي صنع القرارات التنموية، مما يحقق التنمية المستدامة للمدن والمحافظات، وبالتوازي مع ذلك تم إطلاق عدة برامج تستهدف بناء القيادات الاقتصادية فـي المحافظات، من ضمنها برامج الأكاديمية السلطانية للإدارة، التي استهدفت عدة مستويات كالمحافظين والولاة وغيرها من البرامج.
ومنحت الخطة الخمسية العاشرة للمحافظات والبلديات دورًا أكبر في إدارة الموارد الاقتصادية للمحافظات، وتوفير البيئة الاستثمارية الملائمة وتحفيز الاستثمار المحلي ليكون رافدًا للاقتصاد الوطني من خلال طرح المناقصات للمشاريع المقامة داخل المحافظة في إطار قوانين تنظيمية تضمن الأفضلية للقطاع الخاص داخل المحافظة مع عدم الإخلال بالتنافسية على المستوى الوطني، وتفعيل اللامركزية في إدارة الموانئ المحلية وموانئ الصيد في المحافظات بحيث يكون للمحافظات دورا في إدارة هذه الموانئ وتنميتها ضمن التوصيات والقوانين ذات الصلة مع عدم الإخلال بالتكامل اللوجستي على المستوى الوطني، إضافة إلى تفعيل اللامركزية في إدارة استثمار المناطق السياحية في المحافظات في حدود الصلاحيات الممنوحة من الجهات ذات الصلة، بحيث يضمن للإدارة المحلية دورًا في كيفية استثمار وتنمية المواقع السياحية وإقامة البرامج السياحية داخل المحافظة، وتفعيل اللامركزية في إدارة المناطق الصناعية في المحافظات بحيث يكون للمحافظات الدور في إدارة هذه المناطق وتنميتها ضمن التوصيات والقوانين من الجهات التنظيمية المختلفة.
المؤكد أن سلطنة عُمان تمضي في مسار تنموي يقوم على إعادة توزيع النشاط الاقتصادي على امتداد الجغرافيا، لِتتحولَ التنمية من مركز واحد إلى شبكةٍ من المحاور الإنتاجيَّة، الَّتي تنبض بالحياة في كُلِّ محافظة. هذا التحوُّل يتجاوز البنية المكانيَّة لِيعبِّرَ عن جوهر الرؤية الاقتصاديَّة، الَّتي تراهن على اللامركزيَّة كأداة للتنويع، حيثُ تُبنى المُدُن الصناعيَّة الجديدة وفْقَ خصوصيَّة كُلِّ منطقة، وتستثمر مواردها في خلق فرص إنتاجيَّة متنوعة، تُعزِّز الاكتفاء الوطني وتوسِّع قاعدة الدخل. فالتنويع في جوهره هو إعادة صياغة العلاقة بَيْنَ الإنسان والمكان، فكُلُّ مشروع في محافظة جديدة يُمثِّل خطوة نَحْوَ توازن اجتماعي واقتصادي، يَضْمن توزيع الفرص بعدالة، ويقرِّب التنمية من المواطن، ويفتح أمامه آفاق المشاركة في الاقتصاد المنتج.. إنَّها فلسفة جديدة للتنمية ترى في اللامركزيَّة وسيلة لتمكين المحافظات وتحويلها إلى روافد حقيقيَّة للاقتصاد الوطني.
وتجسِّد مدينة السويق الصناعيَّة هذا التَّحوُّل على أرض الواقع، فهي تُمثِّل نموذجًا متقدِّمًا لفلسفة التنمية اللامركزيَّة الَّتي تتوسع لِتشملَ مختلف المحافظات. ومع إعلان طرح مناقصة تنفيذ المرحلة الأولى من المدينة، تبدأ سلطنة عُمان فصلًا جديدًا من فصول التنويع الصناعي، إذ يمتدُّ المشروع على مساحةٍ ضخمة تتجاوز خمسة ملايين متر مربع، ويؤسِّس لبنية إنتاجيَّة حديثة، تربط الصناعة بالزراعة والطاقة والتقنيَّات المساندة، لِتتحولَ السويق إلى محورٍ صناعي جديد في شمال الباطنة، وتتجلى القيمة الحقيقيَّة للمشروع في فكرته الَّتي تفتح المجال أمام استثمارات نوعيَّة، تتكامل مع رؤية التنويع الاقتصادي وتدعم الأمن الغذائي من خلال البيوت المحميَّة وتقنيَّات الزراعة المائيَّة الحديثة. فالمدينة الصناعيَّة في جوهرها تُمثِّل منصَّة اقتصاديَّة تُعِيد تشكيل المشهد الإنتاجي في المنطقة، وترسِّخ مفهوم التنمية المتوازنة الَّتي تنقل الفرص إلى حيثُ يعيش الناس، وتمنح المحافظات أدوارًا حقيقيَّة في معادلة النُّمو الوطني.
لعلَّ الأثر الأوسع لمشروع مدينة السويق الصناعيَّة يتمثل في ما يحمله من فرص حقيقيَّة لتمكين الكفاءات الوطنيَّة والشَّباب وروَّاد الأعمال، إذ يُشكِّل المشروع مساحة جديدة لانطلاق الطاقات الوطنيَّة نَحْوَ ميادين التصنيع والابتكار، فوجود بيئة صناعيَّة حديثة بهذا الحجم يخلق منظومة عمل متكاملة تتوزع فيها الأدوار بَيْنَ المستثمرين والمورِّدين والكوادر الوطنيَّة، لِتنشأَ شبكة إنتاج محليَّة تدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وترفع كفاءتها التنافسيَّة.
كما تُسهم المرحلة الأولى من المشروع في تحريك سلاسل القيمة المضافة، وتنشيط الخدمات اللوجستيَّة والهندسيَّة والبيئيَّة في المنطقة، ما يُعزِّز مفهوم الشراكة بَيْنَ الدولة والمُجتمع في تحقيق الأهداف الاقتصاديَّة الكبرى، وتُعِيد هذه المنظومة الاعتبار للصناعة الوطنيَّة كركيزة أساسيَّة لبناء المستقبل، وتمنح الشَّباب فرصة المشاركة في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس على أرضهم.
إنَّ المشاريع الصناعيَّة الجديدة تُمثِّل ركيزة أساسيَّة في بناء المستقبل، فهي تجسِّد تطلُّعات رؤية « عُمان 2040» الطموحة نَحْوَ اقتصاد متنوع يقوم على الابتكار والمعرفة، ويضع الإنسان في صدارة أولويَّاته. ومع كُلِّ مشروع يُنفَّذ في محافظة جديدة، تتسع دائرة المشاركة الاقتصاديَّة، ويتعزز حضور المواطن في مسار التنمية، فتتحوَّل المُدن الصناعيَّة إلى مراكز إنتاج ومعرفة تنقُل الاقتصاد الوطني إلى مرحلة أكثر توازنًا واستدامة، ويكشف التوسُّع في هذه المشاريع عن وعي وطني متقدم يرى في الصناعة طريقًا لترسيخ الاستقلال الاقتصادي، ووسيلة لإطلاق طاقات المُجتمع نَحْوَ الإبداع والإنتاج.
ويمكن القول أنه ومن خلال هذا المسار تتشكل ملامح عُمان الجديدة، حيثُ تتكامل الصناعة مع الزراعة والتقنيَّة والابتكار في منظومة واحدة تصنع فرص العمل وتوسّع القاعدة الإنتاجيَّة، لِتقدِّمَ للعالم نموذجًا وطنيًّا متوازنًا يجمع بَيْنَ الرؤية والقدرة وبَيْنَ الإنسان والأرض.