المريض النفسي على الشاشة

المريض النفسي على الشاشةمحمد رفعت

الرأى5-2-2026 | 11:46

قدمت السينما المصرية، عبر عقود طويلة، صورة مشوهة ومختزلة للمرض النفسي، وتعاملت مع الصحة النفسية بوصفها مادة للسخرية، وأسهمت في ترسيخ وصمة اجتماعية ما زالت آثارها ممتدة حتي اليوم.

صورت السينما المريض النفسي في كثير من الأفلام، علي أنه شخص فاقد للعقل، خطير، غير متوقع السلوك، وقد يكون قاتلا أو مجرما بالفطرة، وهو ما جعل المريض النفسي في الوعي الجمعي شخصا يجب الحذر منه، وعزله، وإقصاؤه، لا التعاطف معه أو دعمه أو علاجه.

وغابت تماما الصورة الواقعية للإنسان الذي يعاني القلق أو الاكتئاب أو الصدمات أو الاضطرابات المزاجية، وهي أمراض قد تصيب أي فرد دون أن تنزع عنه إنسانيته أو قدرته علي الحياة والعمل.
ولم يكن الطبيب النفسي أوفر حظا من هذا التشويه، ففي كثير من الأعمال ظهر الطبيب كشخص غريب الأطوار، متشنج، أو مهتز نفسيا، وكأن المرض قد تسرب إليه من مرضاه.

وفي نماذج أكثر خطورة، جري تصويره كشخص انتهازي أو شرير، يستغل مرضاه، يعبث بعقولهم، يحرضهم علي ارتكاب الجرائم ، أو يقيم علاقات عاطفية وجنسية مع مريضاته في انتهاك فج للأخلاق المهنية.

هذه الصورة أسهمت في زعزعة الثقة في الطبيب النفسي ، وخلقت حاجزا نفسيا بين المريض والعلاج، ورسخت فكرة أن اللجوء للطبيب النفسي مغامرة غير مأمونة العواقب.

أما العلاج النفسي نفسه، فقد حصرته السينما في صورة كاريكاتورية: مريض ممدد علي الشيزلونج، وطبيب صامت يكتفي بجلسات الفضفضة الطويلة.

غابت الحقيقة العلمية التي تؤكد أن كثيرا من الاضطرابات النفسية لها أساس بيولوجي وكيميائي في المخ، وتعالج بالأدوية مثلها مثل الأمراض العضوية، أو بمزيج متكامل من الدواء والعلاج النفسي.

وزادت السينما من خوف الناس حينما تناولت جلسات العلاج الكهربائي ، فصورتها كوسيلة تعذيب قاسية تهدف إلي إذلال المرضي وكسر إرادتهم. تجاهلت تماما التطور الطبي الهائل الذي شهدته هذه الجلسات، والتي تعرف علميا بتنظيم إيقاع المخ، وتجري اليوم تحت التخدير الكامل، ولا تستغرق سوي دقائق معدودة، ولا يشعر المريض خلالها بأي ألم، وهذا التشويه جعل كثيرا من المرضي وأسرهم يرفضون علاجا فعالا بدافع الخوف والهلع.

ولعل أبشع الصور التي رسختها السينما كانت صورة المصحة النفسية نفسها.

فقد أطلقت عليها تسمية " مستشفي المجانين "، وقدمتها كمؤسسة عقابية يُزج فيها بالمرضي لأنهم خطر علي المجتمع، حيث العزل والإهانة وسلب الإنسانية.

وغابت تماما حقيقة أن المصحات النفسية هي مؤسسات علاجية هدفها الرعاية والتأهيل والدمج، لا العقاب ولا الإقصاء، وأنها بيئات طبية يفترض أن توفر الأمان والدعم لا الرعب.

وقد أسهم هذا الإرث السينمائي في تأخير طلب العلاج، وتعميق الوصمة، ودفع كثيرين إلي إخفاء معاناتهم خوفا من السخرية والنبذ، ولابد من مراجعة صورة المرض النفسي في السينما، دفاعا عن الإنسان وحقه في العلاج.

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان