فى تاريخ السينما العربية ، يصعب العثور على اسم أثار من الجدل، وراكم من الأسئلة، وترك هذا القدر من الأثر المتناقض مثل يوسف شاهين .
لم يكن مخرجا يمكن وضعه داخل خانة مريحة أو تصنيفه ضمن تيار واضح، بل كان حالة فنية وفكرية قائمة بذاتها، تجاوزت حدود الجغرافيا واللغة، دون أن تتخلى عن جذورها الراسخة فى الأرض.
تميزت تجربة يوسف شاهين عن أبناء جيله بوعى مبكر بالسينما كفن له لغته الخاصة، لا مجرد وسيلة حكي، ومنذ أفلامه الأولى وحتى أعماله الأخيرة، ظل "جو"، منشغلًا بسؤال الفرد فى مواجهة السلطة، وبلغ هذا التوجه السينمائى ذروته فى أفلام السيرة الذاتية، وخاصة سلسلة الإسكندرية ، والتى لم يقدم من خلالها سيرة ذاتية تقليدية، بل سيرة فنية، يستخدم فيها ذاته كعدسة لرؤية المجتمع، وتفكيك العلاقة بين الفن والسياسة، وبين الحلم والواقع.
تطور أسلوب يوسف شاهين الإخراجي، ينم هو الآخر عن حالة دائمة لديه من التمرد على القولبة والاستجابة لمعطيات العصر وتحولات السينما العالمية.
بدأ بتأثر واضح بالسينما الكلاسيكية الأمريكية، ثم انتقل إلى واقعية أكثر حدة فى أفلام الستينيات، قبل أن ينفتح على التجريب والسينما الذاتية، حيث أصبحت الكاميرا أكثر تحررا، والمونتاج أكثر كسرا للإيقاع التقليدي، والأداء التمثيلى أكثر صدقا وبساطة.
هذا التحول جعل بعض أفلامه صعبة التلقي، لكنه فى الوقت نفسه منحها طاقة تعبيرية عالية، تشبه صاحبها فى قلقه وعصبيته ورغبته الدائمة فى الاشتباك.
ورغم طموحه الفنى الكبير، لم يكن شاهين مخرجا متعاليا على الجمهور، كما يتهمه البعض، لأنه سعى فى مراحل كثيرة من مشواره الفنى إلى الجمع بين الخطاب العميق والجماهيرية، ونجح أحيانا وأخفق أحيانا أخرى، وبعض أفلامه أصبحت جزءا من الذاكرة الشعبية، بينما ظلت أفلام أخرى حبيسة الدوائر النخبوية.
أثار يوسف شاهين الجدل لأنه كان يسبح كثيرا ضد التيار ويفتش فى كل ما هو ممنوع ومسكوت عنه، ويتحدث بصراحة غير معهودة فى مجتمعاتنا فى الدين والسياسة والهوية، ولم يلقى بالا طوال حياته بما يناله من الهجوم النقدى أو الجماهيري، بل تعامل معه باعتباره جزءا من معركة الفن، ولم تدفعه الإخفاقات إلى التراجع، بل إلى مزيد من المغامرة، وكأن كل فيلم جديد هو محاولة لإعادة طرح السؤال من زاوية أكثر حدة.
وفى مئوية صاحب "الأرض" و"صلاح الدين" و" باب الحديد " و"المصير"، لا يمكن تجاهل دور "شاهين"، فى اكتشاف وتقديم أجيالا من الممثلين والمواهب لـ السينما العربية ، خاصة وأن تأثيره على الأجيال الجديدة لم يقتصر على تقليد أسلوبه فى الحكى السينمائي، بل امتد إلى شيء أهم بكثير وهو جرأة كسر "التابوه"، وتقدير قيمة الشرعية التى منحها للاختلاف، وفى إصراره على أن يكون للمخرج صوت ورؤية، حتى لو كان الثمن العزلة أو سوء الفهم.