في قصيدة أحمد شوقي، يقف المعلم في مقامٍ رفيع يكاد يلامس مقام الرسالة، حيث يُستهل الخطاب بنداءٍ مهيب: "قم للمعلم وفّه التبجيلا"، في دعوةٍ صريحة إلى تعظيمه وإجلاله، لا بوصفه ناقل معرفة فحسب، بل بوصفه صانع عقولٍ وباني أجيال.
وتمضي القصيدة في ترسيخ هذا المعنى، فتربط بين التعليم وشرفه، وتُبرز أن المعلم هو الذي يغرس في النفوس القيم قبل المعلومات، ويهذّب الأرواح قبل أن يملأ العقول، حتى يكاد- في عظمة دوره- أن يُقارب منزلة من تم اصطفاؤهم لتلقي الوحي من السماء.
تُصوّر القصيدة المعلم كمن يُنير الدرب في ظلام الجهل، وكمن يبذل جهده بصبرٍ وإخلاص، ليصنع من الطالب إنسانًا واعيًا قادرًا على الفهم والتفكير.
إنها رؤية مثالية تضع المعلم في أعلى مراتب التقدير، وتُحمّله في الوقت نفسه مسؤولية بناء الإنسان من جذوره، لا الاكتفاء بتلقينه المعارف.
في هذا التصور، يصبح المعلم محور العملية التربوية، وركنها الأساسي، وبدونه لا يكتمل بناء العقول ولا تستقيم الأمم.
لكنني أقول: لا تقم للمعلم… فالتصفيق لا يوقف النزيف.
اقترب قليلًا إن شئت، لا لتصفّق، بل لتسمع. ستسمع شيئًا يشبه انكسار زجاجٍ في صدره، يتكرر كل صباح. يستيقظ لا لأن النوم اكتمل، بل لأن القلق أيقظه قبله. يفتح عينيه على يومٍ يعرف تفاصيل هزيمته فيه مسبقًا: راتبٌ كظلٍّ قصير لا يستر شمس الاحتياجات، وفواتير كأمواجٍ لا تهدأ، وأحلامٌ مؤجلة تلوّح له من بعيد كجزيرةٍ لا يملك قاربًا إليها.
يمشي إلى عمله كمن يحمل على كتفيه بيتًا يتداعى، يخشى أن يسقط إن أسرع، ويخشى أن يسقط إن أبطأ. في الطريق، يعيد ترتيب وجهه، يعلّق ابتسامةً على حافة التعب، ويخفي خلفها ليلًا طويلًا من الحسابات المؤجلة. وحين يصل، يُطلب منه أن يكون شمسًا كاملة، بينما هو بالكاد قبسٌ يحاول ألا ينطفئ.
إنه أسيرُ فكرةٍ نبيلة لا يستطيع الفكاك منها. آمن يومًا أن التعليم رسالة، فصار قلبه محرابًا لها. لكن الرسالة حين تُترك بلا سند، تتحول إلى حملٍ ثقيل. يقف بين صورتين: معلمٍ حلم أن يكونه، ومعلمٍ أُجبر أن يصيره. المسافة بينهما ليست خطوات، بل جرحٌ مفتوح.
يُساومه الواقع كل يوم: "اترك بعض قيمك تعش." فيرتجف ضميره كوترٍ مشدود. كيف يفرّط في قيمٍ كانت سبب دخوله الطريق؟ وكيف يتمسك بها في طريقٍ يأكل أصحابه؟ هو كمن يمشي على حدّ سيف: إن مال قليلًا نجا وخسر، وإن اعتدل تمامًا تألم وانتصر لنفسه بصمتٍ موجع.
ثم يدخل حجرة الدراسة… لا كمن يدخل غرفة، بل كمن يدخل معركةً بلا سلاحٍ كافٍ. أمامه عيونٌ لامعة، لكن لمعانها ليس للمعرفة دائمًا؛ لمعانٌ تعوّد أن يُكافأ بالسرعة لا بالعمق. يحاول أن يزرع فكرة، فتسبقها ألف صورةٍ عابرة. يحاول أن يبني معنى، فتجرفه موجةُ "التالي" قبل أن يكتمل.
هناك، خلف الشاشات، تعمل خوارزميات لا تنام. خياطٌ خفيٌّ يفصّل عقولًا على مقاس العجلة، ويقصّ من زمن الانتباه ما يشاء. تُعلّم الطالب أن الفكرة إن لم تلمع سريعًا فهي لا تستحق، وأن الطريق إن طال فهو خطأ. فيقف المعلم أمام هذا الطوفان كمن يحاول أن يكتب على ماءٍ جارٍ.
كيف يحدّثهم عن الصبر، وهو زمنٌ يختصر العمر في تمريرة؟ كيف يقنعهم أن المعرفة شجرةٌ بطيئة، جذورها في التعب، وثمرها في الانتظار، بينما كل ما حولهم يبيع ثمارًا بلا جذور؟ صوته يصير أحيانًا كنداءٍ في عاصفة، يُسمع ولا يُلتقط، يُفهم ولا يُحتفظ به.
والإعلام… مرآةٌ مشروخة لا تعكسه كما هو. إن ظهر، ظهر خفيفًا أو ساخرًا أو هامشيًا، كأنه تفصيلٌ لا أصل. تختفي قصته الحقيقية بين مشاهد تُضحك سريعًا وتُنسى أسرع. لا أحد ينقل صوته حين يتهدّج، ولا عينيه حين تلمعان بتعبٍ لا يريد أن يُرى.
وفي البيوت، حيث كان ينتظر سندًا، قد يجد سؤالًا ثقيلًا: "لماذا لم ينجحوا؟" سؤالٌ يسقط عليه كحجر، بينما يعرف أن النجاح شجرةٌ لا تنبت في تربةٍ واحدة. يحمل ما لا يُحمل، ويُسأل عمّا لا يُسأل عنه وحده، فيصير كمن يُحاسَب على طقسٍ لم يصنعه.
يقف أمام طلابه، وجزءٌ منه غائب. ليس تقصيرًا، بل لأن الحياة تقتطع من حضوره أقساطًا. فكرةٌ عن قسطٍ متأخر، أو طلبٍ ينتظر، أو خوفٍ يتسلل… فتتوزع روحه بين سبورةٍ وواقع. يعطيهم ما يستطيع، ويعتذر في داخله عمّا لا يستطيع.
وفي الليل، حين يخلع ابتسامته، يجلس مع نفسه كمن يجلس مع شاهدٍ لا يكذب. يسأل: "أكنت حالمًا أكثر مما ينبغي؟" السؤال كشوكةٍ في الحلق؛ لا تُبتلع ولا تُلفظ. إن قال نعم، خذل ذلك الشاب الذي كانه. وإن قال لا، خذل هذا الرجل الذي صار.
نحن لا نظلمه فقط حين نبخل عليه، بل حين نحاصره بعالمٍ يهدم ما يبنيه. نطلب منه أن يزرع وعيًا في تربةٍ تُسقى يوميًا بضجيجٍ يناقضه. نطالبه أن يكون منارة، بينما نطفئ حوله المصابيح واحدةً تلو الأخرى.
ومع ذلك… يبقى. ليس لأنه لا ينكسر، بل لأنه تعلّم كيف يلملم شظاياه دون أن يجرح بها أحدًا. يلتقط من عيون طلابه شراراتٍ صغيرة، ينفخ فيها حتى تصير أملًا. لحظةُ فهمٍ، ابتسامةُ امتنان، تغييرٌ خفيف… خيوطٌ واهية، لكنها تمسكه من السقوط.
لكن إلى متى يبقى واقفًا على حافةٍ تتآكل؟ إلى متى يرمم جسورًا يُهدم طرفها الآخر كل يوم؟ كم مرة يستطيع القلب أن يُعاد جمعه قبل أن يتعب من المحاولة؟
لا تقم للمعلم… فالتصفيق لا يوقف النزيف.
إن أردت أن تنصفه، فلا تصفّق… بل أوقف السكين. أعِد له ما يكفيه ليعيش دون أن يساوم نفسه، وامنحه بيئةً لا تعادي رسالته، وخفّف عنه صخب عالمٍ يسرق انتباه طلابه. عندها فقط، سيعود صوته واضحًا، وستكبر الشجرة التي يزرعها دون أن يقتلعها كل عابر.
حينها… لن نحتاج أن نقوم للمعلم.
لأنه لن يكون، أخيرًا، على حافة السقوط… بل واقفًا كما ينبغي: إنسانًا كاملًا، يُعلّم لأنه حيّ، لا لأنه ينجو.