كان هذا العنوان نفسه هو اسم الفيلم العربي الذي عرضته السينما المصرية في أربعينيات القرن الماضي، ذلك الفيلم الظريف الذي كان بطله يعمل حلاقا كتب على حانوته:
"راجي عطف الخلَّاق.. الأسطى محروس الحلَّاق"!!
ذلك الفيلم الذي كان أبطاله جميعا من الفقراء ثم صاروا في لحظة من الأثرياء بعد أن ورثوا عن قريبٍ لهم - متسول بائس - ثروة طائلة، وبعد أن ذاقوا لذة الثراء غلب عليهم الحنين للفقر وأيامه الخوالي فبدَّدُوا مختارين تلك الثروة الطائلة وعادوا بشوق إلى حياة الفقر فرحين متهللين كأنهم أحرزوا في حياتهم نصرا مؤزرا ستمجده كتب التاريخ!
ولكني لم أُصنِّف هذا المقال لأُحدثك عن الفيلم، فأنا لا أنوي تقديم نقد فني يتناول الفكرة والشخصيات والممثلين، فللنقد الفني أربابه الذين لست بالطبع واحدا منهم.
أظنُّك فهمتَ الآن أنني لن أتحدث عن الفيلم، فهمتَ أنني سأحدثك عن نفسي.. عن آمالي وأحلامي ووعودي إذا صرتُ يوما أحد الأثرياء، وأراك الآن مستعدا بفضول لمعرفة تلك الآمال والأحلام، ، ربما لتقتدي بها أو تنتقدها أو تسعى لتحقيق الثراء من أجلها.
أما عن الوعود فلا شك أنك تستعد لإخفاء تكذيبها والسخرية منها وإعلان تصديقها والتشجيع على إنجازها،
ولكن.. من قال لك إنني سأحدثك عن آمالي وأحلامي ووعودي إذا صرت يوما من الأثرياء؟! فأنا لا أقصد الحديث عن نفسي ومصارحة القراء بنواياي الطيبة أو الخبيثة، ومشروعاتي الصادقة أو الكاذبة التي كنت سأقوم بها إذا كنت من أرباب الثراء، فأنا والحمد لله لم أكن يوما من الأثرياء، ولا أظنني سأكون منهم يوما، ليس تشاؤما ولكنه ترفُّع، فلم أسع في يوم من أيام عمري الذي انقضى ربيعه أن أكون ثريًّا، لم أخطط لذلك ولم يكن يوما من بين أحلامي وآمالي؛ فأنا قانعٌ وراضٍ بحياتي هكذا كما هي، وأعتزُّ بكل تفاصيلها، ومتمسك بخيباتي فيها قبل نجاحاتي، وبأحزاني الكثيرة فيها قبل أفراحي التي لا تكاد تجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
وإذا كان الأمر كذلك، فعمَّ أُحدِّثُك إذن في هذا المقال؟ نعم، هو ذاك ما هداك إليه عقلك، إن الحديث عنك أنت وإليك أنت، فحرف التاء في الفعل "كنت" هو تاء المخاطب.. لا تاء المتكلم!!
نعم إذن.. الحديث لك أنت يا من تحلم بالثراء.. يا أيها الساخط على نفسه وقدره وزمنه والحياة والأحياء.. يا من يقض مضجعه ويطيل سهاده حلم الثراء.. قبل أن تتزاحم الأحلام الوردية على باب خيالك المفتوح على مصراعيه.. قبل أن تتنازع ذهنك أفكار الإحسان أو الانتقام، قبل أن تمتلكك الحيرة بين ماركات السيارات والهواتف ... اسمع إذن:
لو كنتَ غني، لما تذوقت طعم النوم الهادئ الذي ينعم بطمأنينته من يفترش الأرض ويلتحف بالسماء، إنه يُسلم نفسه لسلطان الكرى غير عابئ بشيء في هذا الوجود، ينام قرير العين، رابط الجأش، مستمتعا بأجمل ما في النوم من انقطاع عن الحياة والأحياء، لا لشيءٍ إلا لأنه لا يملك ما يخاف أن يُسلب منه أثناء نومه، يتسع فراشه باتساع الأرض ويمتد غطاؤه بامتداد السماء، لا يندم على أمسه الذي ارتحل معه بارتحاله جزء من شقائه، ولا يحمل هَمَّ غَدِهِ لأنه مهما ساء فلن يكون أسوأ من يومه الذي انقضى وسيمضي غده مثلما مضى يومه وأمسه.
أما أنت - لو كنت غني - فلا شك أنك سترقد على فراشٍ وثير واسع، لكن الأفكار ستتكالب على أم رأسك أكثر من تكالب المساكين على موائد الرحمن في شهر رمضان، كل فكرة يحدوها الأمل أن تستأثر بك دون سواها: فإذا اضطجعت على جانبك الأيمن ستهاجمك حسابات الأرباح من الأيسر، وإذا انقلبت على جانبك الأيسر ستنقضُّ عليك مراجعة الخسائر من الجانب الأيمن، وإذا استلقيت على ظهرك سيطل عليك من سقف غرفتك، الجميل المُزَيَّن، خوفُك من الغد.
إن الثراء لا يمنح الطمأنينة، بل يوسّع دائرة القلق، ويجعلك تحرس أشياء لم تكن تعرف أنك تحتاجها أصلًا.
لو كنتَ غني.. لاختفى من حولك الصادقون كما تختفي العملة المعدنية في جيبٍ مثقوب، سيكثر الأصدقاء، وتقِلّ الوجوه الصافية، ستعلم بعد فوات الأوان أن بعضهم يحبك حبًّا مشروطًا برصيدك، وأن ضحكاتهم لك هي ضحكات عليك مربوطة بسقف الإنفاق.
لو كنتَ غني.. لصار اسمك رأيًا يُحترم، لا لمضمونه، بل لقيمته السوقية.. ستجلس في الصف الأول، لا لأنك تفهم أكثر، بل لأن الكرسي هناك محجوز مسبقًا للثروة.. ستكتشف أن الحكمة قد تكون أحيانا كلمات جوفاء، لكنها مغلفة بأوراق النقد، وأن التصفيق يُمنح بسخاء لمن يدفع.
لو كنتَ غني.. لخشيت المرض أكثر من الفقير؛ الفقير يخاف أن يمرض لأنه لا يملك العلاج، أما الغني فيخاف أن يمرض لأنه يملك كل شيء إلا ضمان البقاء، ستزور أفضل الأطباء، وتخرج بأسوأ الأسئلة: وماذا لو؟
لو كنتَ غني.. ربما تمنيت يومًا واحدًا فقط بلا مال. يومًا تمشي فيه خفيفًا، بلا حسابات، بلا توقعات، بلا عيون تراقب ما تلبس وتقول وتعطي.
يومًا تكون فيه إنسانًا عاديًّا، لا مشروعًا استثماريًّا متحركًا.
لهذا، كلما وقعت عيني على أحد الأثرياء، ابتسمت.. لا حسدًا… بل شفقة.
فالمال قد يشتري أشياء كثيرة، لكنه بارع جدًّا في سرقة ما لا يُعوَّض:
الطمأنينة، والعفوية، وراحة البال.
لو كنتَ غني.. لامتلكتَ هاتفين على الأقل: واحدًا للعمل، وآخر للعمل أيضًا! لأن الراحة لا تدخل باقة الأغنياء.. سيهتز الهاتف في كل لحظة: شريك يريد اجتماعًا عاجلًا، وصديق قديم تذكّر فجأة أنكما كنتما إخوة، ومستثمر يرى فيك فرصة لا تُفوَّت، وكلهم عاجلون، وكلهم الآن، وكلهم يحتاجونك أكثر مما تحتاج النوم.
لو كنتَ غني.. لكانت سيارتك فاخرة، لكنها لن تعرف طريقها إلى الراحة.. ستقودها ببطء شديد خوفًا عليها، وتركنها بعيدًا خوفًا عليها، وتراقبها من نافذة المقهى خوفًا عليها، ثم تكتشف في النهاية أنك اشتريت السيارة لتخدمك، فإذا بك تعمل حارسًا لها.. بلا راتب!
لو كنتَ غني.. لصرتَ خبيرًا في المناسبات الاجتماعية.. ستتلقى دعوات لا تعرف أصحابها، وتحضر حفلات لا تفهم سببها، وتبتسم لأشخاص ينادونك باسمك الأول رغم أنك لا تعرف أسماءهم الأخيرة ولا حتى نواياهم الأولى. ستتعلم فن الضحك المحسوب، والمجاملة الاقتصادية، والانسحاب المهذب قبل أن يُطلب منك تبرعٌ بسيط.
لو كنتَ غني.. لتضاعف عدد أقاربك فجأة: أبناء العمومة سيظهرون من العدم، وأصدقاء الطفولة سيستعيدون ذاكرتهم كاملة، وحتى زميلك الذي لم يُسلّم عليك يومًا سيسألك بقلق صادق عن صحتك.
وستكتشف أن المال لا يشتري المحبة، لكنه يستأجرها بعقود قصيرة الأجل.
لو كنتَ غنيًّا، لأصبحتَ حذرًا من كل شيء:
من المرض، لأنه قد يُعطّل مشاريعك.
من الفرح، لأنه قد يُصوَّر.
من الحزن، لأنه قد يُفسَّر.
حتى الصدقة ستفكر فيها مرتين: مرة للقلب، ومرة للكاميرا.
و لو كنتَ غني حقًا، فسيأتي اليوم الذي تشتري فيه كل شيء… ثم تفتقد شيئًا واحدًا لا يُباع:
أن تقول لا.. دون حساب،
وأن تحب.. دون شك،
وأن تضحك.. دون أن يسأل أحد: لماذا يضحك؟
لهذا، حين أقول: لو كنتُ غنيًّا،
أضحك أولًا…
ثم أُحكِم إغلاق جيبي، وأمضي خفيفًا،
شاكرًا نعمة أن بعض الأعباء… لا تحتاج رصيدًا.
لو كنتَ غني، لاستيقظتَ كل صباح خائفًا من خبرٍ لم يحدث بعد.
ستفتح هاتفك مرتجفًا: فضيحة؟ انهيار؟ شريك قرر فجأة أن يكون صادقًا؟
الفقر يجعلك تخاف مما سيأتي، أما الغنى فيجعلك تخاف مما قد يُكتشف.
لو كنتَ غني، لامتلكت بيتًا واسعًا، لكنك ستعيش في غرفة واحدة: غرفة الشك.
ستضع الكاميرات في كل زاوية، لا خوفًا من اللصوص، بل من الأحبة.
فالغني لا يُسرق ماله فقط، بل يُسرق وقته، وهدوؤه، وحتى ابتسامته إن لم ينتبه.
لو كنتَ غني، لكان اسمك بطاقة مرور.
ستدخل حيث لا تفهم، وتجلس حيث لا تريد،
وستصفّق لأشياء لا تعجبك،
فالرأي الحُرّ جميل… لكنه غير مُربح.
لو كنتَ غني، لاحتجت طبيبًا نفسيًا لا ليعالجك،
بل ليُقنعك أن الناس تحبك لشخصك،
وستدفع له بسخاء،
ثم تشك فيه لأنه يقبل المال بسهولة.
ولو كنت غني جدًا،
سيأتي اليوم الذي تدفع فيه المال لتستعيد لحظة صدق واحدة،
جلسة.. بلا مصلحة،
ضحكة.. بلا خلفية،
إنسان.. لا يراك رصيدًا يمشي على قدمين.
لهذا، حين أتخيل نفسي غنيًّا،
أضحك ضحكة قصيرة، حذرة،
ثم أتحسس جيبي الفارغ،
وأشكره…
لأنه ما زال فارغًا من هذا النوع من الهموم!!