كاتبة الرعب بسمة الخولي: "لقاء إبليس" نقطة تحول في حياتي

كاتبة الرعب بسمة الخولي: "لقاء إبليس" نقطة تحول في حياتيبسمة الخولي

في عالم أدب الرعب، حيث تتداخل العوالم الواقعية مع خيوط الخيال، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى مصادر محتملة للخوف والتأمل، تبرز أصوات قادرة على إعادة تشكيل هذا اللون الأدبي برؤية مختلفة تتجاوز مجرد إثارة الذعر إلى الغوص في أعماق النفس البشرية.

ومن بين هذه الأصوات نجحت كاتبة أدب الرعب بسمة الخولي، في أن تبني لنفسها حضورًا خاصًا، مستندة إلى تجربة ممتدة ووعي فني يقوم على المزج بين الرعب النفسي والبناء الدرامي العميق.

وفي هذا الحوار، نقترب من ملامح رحلتها مع أدب الرعب، منذ البدايات الأولى وحتى تشكل ملامح مشروعها الأدبي، مرورًا بتأثير قراءاتها وتجاربها الشخصية، ورؤيتها لطبيعة الخوف بوصفه مدخلًا لفهم الإنسان، وليس مجرد أداة للإثارة، كما نتوقف عند رؤيتها للمشهد الأدبي في مصر، وموقع أدب الرعب داخله، والتحديات التي تواجهه، إلى جانب نظرتها لدور الكاتبة في هذا المجال، وكيف يمكن للنص أن يوازن بين الفكرة واللغة والبناء ليخلق أثرًا ممتدًا في وعي القارئ.


★ كيف بدأت علاقتكِ بأدب الرعب؟ وهل كانت وليدة شغف مبكر أم تجربة محددة أثّرت فيكِ؟

بدأت علاقتي بأدب الرعب منذ وقت مبكر جدًا، حتى قبل أن أتعلم القراءة بشكل كامل. كان هذا النوع من الإحساس—إحساس الرهبة—جزءًا من حياتي بطريقة أو بأخرى، ثم تطور مع مرور الوقت. ومع بداية اطلاعي على الحكايات والأساطير، تعمّق شغفي أكثر، خاصة مع قراءتي لأعمال تنتمي لعوالم تحمل جانبًا سوداويًا أو رعبًا، والتي كنت أجد فيها ما يثير خيالي ويحفّزني على الاستمرار في هذا الاتجاه.

ومع الوقت، اكتشفت أن كثيرًا من هذه الحكايات تعود جذورها إلى التراث الإنساني القديم، مثل قصص الأخوين غريم، وهو ما زاد من ارتباطي بهذا العالم، خاصة مع ولعي بالحكايات الخيالية مثل "هانسل وجريتل" و"ذات الرداء الأحمر".

★ هل بدأتِ الكتابة في هذا المجال مبكرًا؟ وهل كنتِ واثقة من الاستمرار فيه؟

نعم، أول عمل كتبته في هذا المجال كان رواية بعنوان "لعنة أبواب الجحيم"، وقد كتبتها بالكامل خلال الفترة من 2006 إلى 2008. منذ تلك اللحظة كنت مدركة أنني سأستمر في هذا الطريق، حتى وإن توسعت لاحقًا إلى مجالات أخرى مثل الأدب النفسي وأدب الجريمة، وهو ما حدث بالفعل مع تطور تجربتي.

★ إلى أي مدى تأثرتِ بكتّاب عرب وأجانب في تشكيل أسلوبكِ؟

في بداياتي تأثرت بعدد من الكتّاب مثل ستيفن كينج، وأر. إل. شتاين، والدكتور أحمد خالد توفيق. كان تأثيرهم واضحًا في طريقة بناء الأفكار واختيار الثيمات، نظرًا لأن قراءاتي في ذلك الوقت كانت موجهة نحو هذا النوع من الأدب. ومع الممارسة المستمرة، بدأت تتشكل ملامح أسلوبي الخاص تدريجيًا.

★ ما الذي يميز الرعب النفسي في كتاباتكِ عن الرعب القائم على الصدمة المباشرة؟ وكيف تبنين أجواء الخوف في النص؟

أعتمد في كتاباتي على مخاطبة العقل الباطن للقارئ أكثر من الاعتماد على الصدمة المباشرة. لا أركز على الحدث الصادم بقدر ما أركز على بناء الأجواء وتفاصيل المشهد، وترك مساحة لخيال القارئ ليُكمل الصورة بنفسه. أؤمن أن العقل الباطن يمتلك قدرة أكبر على تضخيم الإحساس بالخوف أو تقليصه، وفق ما يتم تقديمه له من عناصر.

أسعى إلى خلق حالة شبيهة بتجربة الكوابيس، حيث يكون القارئ في حالة وعي جزئي بما يحدث، مدركًا أنه داخل تجربة مقلقة، لكنه غير قادر على تحديد مصدر الخوف بدقة، مما يجعله يعيش حالة من التوتر الممتزج بالقلق.

أما من حيث البناء الفني، فأرى أن اللغة والفكرة والبناء الدرامي عناصر لا يمكن فصلها، بل يجب أن تتحقق بينها حالة من التوازن، مع اختلاف النهاية من عمل لآخر، رغم أنني أميل غالبًا إلى النهايات المفتوحة.

★ كيف ترين حضور المرأة الكاتبة في أدب الرعب العربي؟ وهل تواجه تحديات خاصة؟

لا أرى فارقًا جوهريًا بين القلم النسائي والرجالي في الأدب. العمل الأدبي يُقاس في النهاية بقيمته وجودته، بغض النظر عن جنس الكاتب. العوامل المؤثرة الحقيقية تتمثل في الخلفية الثقافية، ومستوى الاطلاع، والجهد البحثي، وطبيعة التجربة الشخصية. في السنوات الأخيرة، أصبح حضور الكاتبات والكتّاب متقاربًا إلى حد كبير، سواء في مجال الرعب أو غيره من الأجناس الأدبية.

★ هل تتعمدين طرح قضايا نسوية أو اجتماعية داخل إطار الرعب؟

لا أتعمد ذلك بشكل مباشر، لكن قد تتسلل بعض القضايا الاجتماعية أو النفسية ضمن النصوص بشكل غير مقصود. أحيانًا أحرص على تضمين أبعاد تاريخية أو ربط الأحداث بسياقات أوسع، بهدف دفع القارئ إلى التفكير أو البحث، دون تقديم هذه القضايا بشكل مباشر أو دعائي، بل من خلال توظيفها داخل البناء الخيالي.

★ من أين تستمدين أفكاركِ؟ وهل أثّرت تجارب شخصية في كتاباتكِ؟

أفكاري تأتي من مزيج بين الواقع والخيال. بحكم طبيعة حياتي التي تتسم بكثرة الترحال والبحث، مررت بتجارب وأماكن ومواقف غريبة انعكست بشكل أو بآخر في بعض أعمالي، سواء في الروايات أو القصص الإذاعية. هذه التجارب تضيف إلى النص بعدًا واقعيًا يعزز من مصداقيته.

★ إلى أي مدى ترين أن الرعب يمكن أن يكون وسيلة لفهم النفس البشرية؟

الخوف في رأيي هو أكثر المشاعر نقاءً وصدقًا، لأنه ينبع من داخل الإنسان دون تدخل مباشر من عوامل خارجية. من خلاله يمكن الوصول إلى أعماق النفس البشرية وكشف جوانب قد لا تظهر في حالات الانفعال الأخرى. لذلك أرى أن الرعب ليس مجرد وسيلة للإثارة، بل أداة لفهم أعمق للإنسان.

★ ما ردود الفعل التي تسعدكِ أكثر من القراء؟

أكثر ما يسعدني هو ردود الفعل التي تحمل طابع التأمل أو الدهشة، أكثر من مجرد الخوف. لأن هذه الردود تعني أن النص نجح في ترك أثر أعمق يتجاوز لحظة التوتر المباشر.

★ كيف تتعاملين مع القراء الذين لا يفضلون هذا النوع من الأدب؟

هذا أمر طبيعي. القراء يختلفون في أذواقهم، فهناك من يحب هذا النوع وهناك من لا يفضله، وهناك من يقف في المنتصف. أتقبل جميع ردود الفعل، لأن لكل قارئ اختياراته الخاصة، وهذا التنوع جزء من طبيعة المشهد الأدبي.

★ كيف تقيمين وضع أدب الرعب في مصر حاليًا؟

أصبح أدب الرعب خلال السنوات الأخيرة يحتل مساحة واضحة في المشهد الأدبي، ويمكن اعتباره من بين أبرز الأجناس حضورًا. لكن المشكلة تكمن في أن جزءًا كبيرًا من الأعمال يظل محصورًا داخل إطار محدود، دون محاولة التوسع في موضوعات وتجارب أكثر تنوعًا، مما يؤدي أحيانًا إلى تكرار الأفكار.

★ من المشروع الأقرب إلى قلبكِ من بين أعمالك؟

يظل عمل "لقاء إبليس" الأقرب إليّ، لأنه مثّل نقطة تحول وبداية حقيقية لي في دمج عناصر الرعب مع الجريمة والتاريخ، وفتح لي آفاقًا جديدة في الكتابة.

★ هل هناك عمل تتمنين إعادة كتابته؟

لا، أؤمن أن كل عمل يعكس مرحلة معينة من التجربة، وما كُتب في لحظة زمنية معينة لا يمكن فصله عن سياقه. لذلك لا أرى ضرورة لإعادة كتابة أي عمل سبق أن أنجزته.

★ ما الذي تطمحين إلى تحقيقه في المرحلة المقبلة من مسيرتكِ الأدبية؟

أعمل حاليًا على مشروع جديد يجمع بين الرعب النفسي والأدب التاريخي، مع اعتماد أكبر على البحث الميداني إلى جانب المصادر المكتوبة. هذا المشروع يُعد جزءًا من خطة أكبر أعمل عليها منذ عدة سنوات، وأتطلع إلى الإعلان عنه قريبًا، إلى جانب الاستمرار في الترجمات الأدبية والمقالات والأعمال الإذاعية

أضف تعليق

في قمة الكبار .. مصر شريك في صياغة المستقبل العالمي

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان