في السنوات الأخيرة، برزت أصوات أدبية شابة تسعى إلى إعادة تعريف الأنواع التقليدية، ومن بينها أدب الرعب الذي لم يعد مجرد وسيلة لإثارة الخوف، بل صار مساحة للتأمل في النفس البشرية وكشف مناطقها المعتمة. ومن بين هذه الأصوات تبرز الكاتبة يسرا ذكري، التي تخوض تجربة خاصة مع هذا اللون، تجمع بين الحذر الإنساني والانجذاب الفني. في هذا الحوار، تفتح لنا أبواب عالمها، وتكشف عن رؤيتها للرعب، الكتابة، والإنسان.
الحوار
كيف بدأت علاقتك بأدب الرعب؟ وهل كانت وليدة شغف مبكر أم تجربة محددة أثرت فيك؟
علاقة متوترة ابتدأتها بالرفض، فلدي روايات كثيرة لا علاقة لها بأدب الرعب، أرفضه لدواعٍ إنسانية، فالسلامة النفسية للإنسان عندي أولى من متعة محتملة قد يجدها في قراءة هذا اللون من الكتابة. ولكن مع قليل من التأمل استسغته بشروط حازمة، ومن هنا بدأت أُسلِّم له قلمي.
ما أول نص كتبته في هذا المجال، وهل كنتِ واثقة منذ البداية أنك ستستمرين فيه؟
الكتابة في أدب الرعب كانت بعيدة عني، فأنا كاتبة متعددة الأنماط عداه، حتى حدث ما جعلني أتجرأ وأخوض التجربة. كتبت نصًا عجيبًا ارتبت منه شخصيًا وأنا أكتبه!
وهو تحت الطبع، ولن أستطيع البوح به الآن، لكن يمكنني القول إنني سمعت نداءً مميزًا في أذني وصغته وما حوله من أحداث مربكة. لم أتخيل أن أستمر، ولكنني فعلت.
إلى أي مدى تأثرتِ بكتاب رعب عالميين أو مصريين في تشكيل أسلوبك؟
تأثرت بنسبة لا تتخطى الصفر في المئة.
ما الذي يميز الرعب النفسي في كتاباتك عن الرعب القائم على الأحداث أو الصدمات المباشرة؟
الرعب النفسي في العموم يمثل الجزء الواقعي في حياة الإنسان، أكثر مما يتعلق بالجن أو المخلوقات الغريبة أو الوحشية.
كيف تبنين أجواء الخوف في النص؟ هل تعتمدين على اللغة أم الفكرة أم البناء الدرامي؟
قد يتسلل إليك الخوف من قلمي عن طريق الغموض والأسئلة الملحة التي تُقحم نفسها بداخلك، ولا أتركك إلا وقد أجبت عليها كلها.
هل تفضلين النهايات المفتوحة أم الصادمة؟ ولماذا؟
لا أفضل النهايات المفتوحة إلا إذا اضطررت، لا أحبها كقارئة وككاتبة أيضًا، لابد من وجود نهاية على أي حال.
كيف ترين حضور المرأة الكاتبة في أدب الرعب العربي؟ وهل تواجه تحديات خاصة؟
العزف على أوتار المشاعر البشرية يحتاج إلى فنان يعرف من أين المداخل ومتى يفتح لها مخرجًا، ولذلك لا معنى لتصنيف الكاتب على أساس جنسه. المرأة الكاتبة حاضرة بجانب الرجل، تعطي وتواجه التحديات مثله تمامًا.
هل تختلف نظرة الكاتبة الأنثى للرعب عن نظرة الكاتب الرجل من وجهة نظرك؟
المتوقع هو "نعم"، لكن الغريب أن هناك أقلامًا أنثوية أكثر قسوة من بعض أقلام الرجال. في نظري لا اختلاف، فالفن لا يفقه التصنيف.
هل تتعمدين طرح قضايا نسوية أو اجتماعية داخل إطار الرعب؟
ربما اجتماعية، ولكن نسوية لا.
من أين تستمدين أفكار قصصك؟ هل من الواقع أم من الخيال الخالص؟
لا يوجد منبع محدد، فالكاتب كالمغناطيس يستقبل الأحداث من الواقع أو الخيال، ثم يحيك منها عالمًا خاصًا يبتلع القارئ داخله.
هل مررتِ بتجارب شخصية مخيفة انعكست بشكل مباشر في كتاباتك؟
نعم.
إلى أي مدى تؤمنين بأن الرعب يمكن أن يكون وسيلة لفهم النفس البشرية؟
قد يفسرها ويكشف جوانب خفية بها، وربما يكشف عقدًا قديمة ذات أثر ممتد، وقد يكون له دور في العلاج النفسي لاحقًا.
ما ردود الفعل التي تسعدك أكثر: الخوف، الدهشة، أم التأمل؟
الدهشة والتأمل، أما الخوف... فما المصلحة من أن يتلذذ الكاتب بتخويف نفس بشرية ويكون ذلك هدفه الوحيد؟
هل تلقيتِ ردود فعل غير متوقعة من القراء بسبب أعمالك؟
نعم، تلك القشعريرة… تعرفها؟ عبر عنها بعض القراء، وكذلك فقدان الإحساس بالوقت، إذ قال أكثر من قارئ: "لم أشعر بنفسي إلا في آخر كلمة"، وهذا أسعدني كثيرًا.
كيف تتعاملين مع القراء الذين لا يفضلون هذا النوع من الأدب؟
أبتسم وأؤكد أنني معهم قلبًا وقالبًا، فلهم كل الحق. هذا اللون من الكتابة كأنه سلاح في يد شخص يلهو به، فهل سيكون آمنًا دائمًا؟
كيف تقيمين وضع أدب الرعب في مصر حاليًا؟
ينتشر بشكل سريع، ويعلو على أصناف كان لها شأن وتأثير أقوى. أما التقييم، فالصمت هنا أولى من الإجابة.
هل تعتقدين أن هذا النوع ما زال مهمشًا مقارنة بأنواع أدبية أخرى؟
لم يعد مهمشًا، بل تم إبرازه بأكثر مما يُتوقع.
ما المشروع الأقرب إلى قلبك من بين أعمالك؟
وهل الأم تفرق بين أبنائها؟ لدي أعمال ورقية مثل "كود آدم" و"للموت بقية" و"سمائيل"، ولم يكن هدفها الرعب تحديدًا، إلى جانب أعمال إلكترونية وقصص قصيرة متنوعة.
هل هناك عمل تتمنين إعادة كتابته بشكل مختلف؟
نعم، جميعها. فكل فكرة خصبة تحتمل سيناريوهات متعددة، وقد اخترت لكل عمل مسارًا واحدًا فقط.
ما الذي تطمحين لتحقيقه في مسيرتك الأدبية خلال السنوات القادمة؟
أطمح ألا أخضع للون أدبي واحد، وأن أبتكر مسارًا جديدًا لأدب الرعب، يرعب القارئ ليكون أشجع، لا ليجعله جبانًا.

