شجاعة «أسد» وأفكار «الأفروسنتريك»!

شجاعة «أسد» وأفكار «الأفروسنتريك»!محمد رفعت

الرأى4-6-2026 | 13:08

أشعر بسعادة حقيقية كلما نجح فيلم مصري في كسر القوالب التقليدية، وأثبت أن الجمهور ليس عدوا للأفكار الجريئة كما يظن البعض، وهو ما يحدث حالياً مع فيلم أسد الذي يتصدر الإيرادات، رغم كل الجدل والهجوم والاتهامات التي لاحقته منذ الإعلان عن بدء عرضه.

نجاح الفيلم جماهيريا يحمل دلالة مهمة جدا، وهي أن قطاعا كبيرا من الجمهور ما زال متعطشا للسينما التي تقدم عالما مختلفا وأسئلة جديدة، لا مجرد وصفات محفوظة تتكرر كل موسم، خاصة وأن الفيلم لم يعتمد فقط علي نجم جماهيري أو دعاية ضخمة، لكنه راهن علي فكرة غير معتادة في السينما المصرية ، واقترب من منطقة شديدة الحساسية والتعقيد، وهي قضية العبودية وتجارة البشر في القرن التاسع عشر.

ومنذ الإعلان عن الفيلم، تعرض لهجوم واسع واتهامات بأنه يروج لأفكار "الأفروسنتريك" أو يحاول تشويه التاريخ المصري، لكن ما حدث بعد العرض يؤكد أن كثيرا من هذه الأحكام كانت متسرعة، وأن البعض هاجم العمل قبل أن يشاهده أو يفهم سياقه الحقيقي.

المخرج محمد دياب دافع عن الفيلم بوضوح، وأكد أن العمل لا يحمل أي رسائل أيديولوجية أو سياسية، وأنه لا يتبني أفكار "الأفروسنتريك" كما تردد، بل يتناول مرحلة تاريخية موثقة من زاوية درامية وإنسانية، كما أوضح أن الفيلم لا يعيد كتابة التاريخ ولا يزور الهوية المصرية، وأن صُناعه بذلوا جهدا كبيرا في البحث والتحضير حتي يخرج العمل بصورة تحترم عقل المشاهد.

والحقيقة أن وجود شخصيات من ذوي البشرة السمراء أو أبطال من أصول إفريقية لا يجب أن يتحول تلقائيا إلي تهمة، ومصر عبر تاريخها كانت جزءا من محيط إفريقي وإنساني واسع ومتداخل، والسينما من حقها أن تعكس هذا التنوع دون أن تتعرض لكل هذا القدر من التخوين أو الطعن في النوايا.

كذلك فإن الفن لا يمكن أن يتطور إذا ظل خائفا من الاقتراب من الملفات الحساسة أو المسكوت عنها، والسينما الحقيقية ليست مجرد وسيلة للترفيه السريع، لكنها أيضا مساحة للأسئلة والتأمل وإعادة النظر في التاريخ والواقع والإنسان.

وما يعجبني في تجربة "أسد" أنها أثبتت أن الجمهور يمكن أن يمنح ثقته لعمل مختلف، وأن النجاح التجاري لا يتعارض بالضرورة مع الجرأة الفكرية أو الطموح الفني، بل ربما يكون هذا النجاح رسالة مهمة لصناع السينما بأن المشاهد سئم التكرار، ويريد أفلاما تحترم عقله وتمنحه تجربة جديدة.

تحية حقيقية لصناع الفيلم لأنهم امتلكوا شجاعة المغامرة، وقرروا تقديم نوع مختلف عن السينما السائدة، ونجحوا في إثارة النقاش وفي الوقت نفسه جذب الجمهور إلي قاعات العرض، فالسينما التي تفتح أبواب الجدل والتفكير تستحق الاحترام، لأنها توسع خيال المتفرج، وتفتح شهيته للمعرفة، وتلقي الضوء علي قضايا وأفكار كنا نتجنب الاقتراب منها.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان