فى تاريخ الفن المصري عشرات النجوم الذين هاجروا من قراهم ومدنهم الصغيرة إلى القاهرة بحثا عن الشهرة والنجاح، لكن الفنان الراحل عبدالعزيز مخيون ظل حالة استثنائية وفريدة يصعب تكرارها.
وبعد أن حقق "مخيون" مكانة رفيعة بين كبار الممثلين، وشارك فى عشرات الأعمال السينمائية والتليفزيونية والمسرحية المهمة، عاد بإرادته إلى بلدته الصغيرة أبو حمص بمحافظة البحيرة ، ليعيش بين أهلها ويصبح جزءًا من حياتها اليومية، وكأنه يوجه رسالة صامتة مفادها أن النجاح الحقيقي لا يعني بالضرورة الانفصال عن الجذور.
كان "مخيون"، واحدًا من الفنانين القلائل الذين لم تغرهم حياة العاصمة بكل ما فيها من بريق وأضواء وعلاقات اجتماعية واسعة، وعلى الرغم من امتلاكه منزلاً فى القاهرة الجديدة، ظل يفضل الإقامة فى بلدته التي نشأ فيها، ولا يتواجد فى القاهرة إلا خلال فترات ارتباطه بتصوير الأعمال الفنية أو المشاركة فى الفعاليات الثقافية.
وما أن ينتهي من عمله حتى يعود سريعًا إلى أبو حمص، حيث يجد راحته النفسية وحياته التي أحبها بعيدًا عن صخب المدينة وزحامها.
ولم تكن عودته إلى بلدته مجرد قرار شخصي يتعلق بمكان الإقامة، بل تحولت إلى مشروع ثقافى وفني حقيقي، فقد آمن بأن الفن لا ينبغي أن يظل حكرا على المسارح الكبرى وقاعات العرض فى العاصمة، لذلك سعى إلى نقل الفن إلى الناس فى الشوارع والساحات والميادين الشعبية، وهناك قدم تجارب لمسرح الشارع ومسرح الجرن، مستلهما روح البيئة الريفية المصرية، ومؤكدا أن الفن قادر على الوصول إلى الجمهور أينما كان.
وخلال هذه التجربة الفريدة، لم يكتفِ بدور الفنان أو الممثل، بل تحول إلى معلم ومكتشف للمواهب، وفتح أبوابه أمام الشباب الموهوبين من أبناء المحافظة، وحرص على تدريبهم وتعليمهم أصول الأداء المسرحي والتمثيل، وشجعهم على الثقة بأنفسهم وعلى التعبير عن قضايا مجتمعهم من خلال الفن.
وأسهمت هذه الجهود فى اكتشاف عدد من المواهب التي وجدت فى مخيون أبا روحيا ومرشدا فنيا، وليس مجرد نجم كبير يقدم النصائح من بعيد.
ومن السمات اللافتة فى شخصية عبدالعزيز مخيون ابتعاده الدائم عن الصراعات التي كثيرا ما تشهدها الساحة الفنية، ولم يكن طرفا فى معارك الوسط الفني أو حساباته المعقدة، كما لم يرتبط بالشللية أو التحالفات التي يعتمد عليها البعض فى صناعة النجومية، وكان يفضل أن يتحدث عنه عمله الفني لا تصريحاته.
وربما كان هذا الزهد فى الأضواء هو أحد أسرار الاحترام الكبير الذي حظي به طوال مسيرته، فقد ظل محافظا على صورته كفنان مثقف وصاحب مشروع إنساني، يهتم بالجوهر أكثر من المظاهر، وبالقيمة الفنية أكثر من الحسابات التجارية، وبينما كان كثيرون يسعون إلى الاقتراب من مراكز النفوذ فى الوسط الفني، كان هو يختار طريقا مختلفا يقوم على الاجتهاد والالتزام.