هشاشة العظام والحليب.. هل الاتهامات صحيحة؟

هشاشة العظام والحليب.. هل الاتهامات صحيحة؟الحليب

منوعات11-8-2026 | 21:22

تحول الحليب خلال السنوات الأخيرة إلى مادة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فبينما يراه البعض غذاءً أساسيًا لا غنى عنه، تظهر من وقت إلى آخر تحذيرات تصفه بأنه «سم قاتل» أو تزعم أنه يسبب هشاشة العظام والأنيميا، فضلًا عن الاعتقاد الشائع بأن الحليب يحتوي على كميات ضارة من المضادات الحيوية.

ولحسم هذه التساؤلات، يستعرض الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، القيمة الغذائية للحليب، وأبرز الفوائد التي يمكن أن يقدمها ضمن النظام الغذائي، مع توضيح الحالات التي قد تستدعي تجنبه أو اختيار أنواع خاصة منه.

الحليب .. غذاء متوازن

يقول الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، إن الحليب يُعد من الأغذية ذات القيمة الغذائية المرتفعة، نظرًا لاحتوائه على مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية المهمة، في مقدمتها البروتينات عالية القيمة البيولوجية، والكالسيوم، والفوسفور، إضافة إلى مجموعة من الفيتامينات والمعادن، مع اختلاف تركيبته الغذائية بحسب نوع الحليب وطريقة تصنيعه.

ويشير إلى أن الجدل المتداول حول الحليب يحتاج إلى قدر من التوازن، فلا يمكن وصفه بأنه «سم قاتل» لجميع الأشخاص، كما لا يمكن اعتباره غذاءً مناسبًا للجميع دون استثناء؛ فالفائدة أو الضرر يعتمدان على الحالة الصحية للفرد، ونوع الحليب، والكمية المستهلكة، وطبيعة النظام الغذائي بالكامل.

وقد ورد ذكر اللبن في القرآن الكريم، في قوله تعالى: «وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ»، سورة النحل، الآية 66.

كما وردت أحاديث نبوية في فضل اللبن، ومنها الدعاء بالبركة فيه والزيادة منه.

مصدر مهم للكالسيوم

وأوضح أخصائي التغذية العلاجية أن من أبرز مزايا الحليب احتواؤه على الكالسيوم، وهو معدن أساسي لبناء العظام والأسنان والحفاظ على قوتهما، كما يشارك في وظائف مهمة أخرى داخل الجسم، من بينها انقباض العضلات ونقل الإشارات العصبية.

ويحتوي الحليب أيضًا على الفوسفور والبروتين، بينما تختلف كمية فيتامين «د» الموجودة فيه بحسب ما إذا كان الحليب مدعمًا به أم لا.

ومن هنا، فإن تناول الحليب ومنتجات الألبان ضمن نظام غذائي متوازن يمكن أن يساعد في توفير جزء مهم من الاحتياجات اليومية من الكالسيوم والبروتين.

هل الحليب يسبب هشاشة العظام؟

ينفي الدكتور أحمد أبو الريش التعميم القائل إن الحليب يؤدي إلى هشاشة العظام، موضحًا أن صحة العظام تعتمد على مجموعة كبيرة من العوامل، وليس على تناول الحليب أو عدم تناوله فقط.

وتدخل في صحة العظام عوامل أخرى، مثل الحصول على الكالسيوم وفيتامين «د»، والنشاط البدني، والوزن، والعمر، والتغيرات الهرمونية، والتدخين، وبعض الأمراض والأدوية.

لذلك، لا يصح القول إن الحليب في حد ذاته سبب مباشر لهشاشة العظام، كما أن الاعتماد عليه وحده لا يكفي للوقاية من جميع مشكلات العظام.

بروتين مهم للعضلات

ويتميز الحليب باحتوائه على بروتينات عالية الجودة تحتوي على الأحماض الأمينية الأساسية التي يحتاجها الجسم.

ويكتسب البروتين أهمية خاصة في مراحل النمو، وكذلك للحفاظ على الكتلة العضلية لدى البالغين وكبار السن، خصوصًا مع ممارسة النشاط البدني.

ولهذا يمكن أن يمثل الحليب أو الزبادي أو غيرهما من منتجات الألبان جزءًا من وجبة متوازنة تحتوي أيضًا على مصادر أخرى للبروتين والخضراوات والحبوب الكاملة والفواكه.

ماذا عن الزبادي؟

يشير الدكتور أحمد أبو الريش إلى أن منتجات الألبان المخمرة، مثل الزبادي، تتميز بوجود بكتيريا حية نافعة في بعض أنواعها، ويمكن أن تكون جزءًا من النظام الغذائي الذي يدعم صحة الجهاز الهضمي.

وتختلف كمية ونوعية هذه البكتيريا من منتج إلى آخر، لذلك من الأفضل اختيار المنتجات التي تحتوي على مزرعات حية، مع الانتباه إلى كمية السكر المضاف في بعض أنواع الزبادي المنكهة.

هل الحليب يساعد على علاج الأنيميا؟

ومن أكثر الادعاءات التي تحتاج إلى تصحيح، القول إن الحليب يعالج الأنيميا بشكل مباشر.

ويحتوي الحليب على اللاكتوفيرين، وهو بروتين يرتبط بالحديد وله وظائف بيولوجية ومناعية متعددة، وقد حظي باهتمام بحثي في مجال دعم التعامل مع نقص الحديد.

لكن ذلك لا يعني أن تناول الحليب وحده علاج للأنيميا أو أنه يغني عن تشخيص سبب نقص الحديد والعلاج الذي يحدده الطبيب.

كما أن الحليب ليس من أغنى المصادر الغذائية بالحديد، بل إن الإفراط في تناوله قد يكون غير مناسب لبعض الأطفال إذا جاء على حساب تناول الأطعمة الغنية بالحديد، ولذلك يجب التعامل مع نقص الحديد وفق تقييم الطبيب والتحاليل المطلوبة.

هل الحليب يسبب الأنيميا؟

يؤكد أخصائي التغذية العلاجية أن القول بأن الحليب يسبب الأنيميا بصورة مطلقة غير دقيق.

لكن توجد اعتبارات مهمة، خاصة لدى الأطفال؛ فالإفراط في شرب حليب الأبقار قد يؤدي إلى الشعور بالشبع وتقليل تناول الأطعمة الأخرى الغنية بالحديد، كما قد يرتبط في بعض الحالات بزيادة خطر نقص الحديد.

لذلك، فإن المشكلة ليست في تناول الحليب باعتدال، وإنما في الإفراط فيه أو استخدامه بطريقة تؤدي إلى عدم توازن النظام الغذائي.

هل الحليب يحتوي على مضادات حيوية؟

أما الادعاء بأن الحليب التجاري «مليء بالمضادات الحيوية»، فيوضح الدكتور أحمد أبو الريش أن الحليب الذي يصل إلى الأسواق يخضع لمعايير ورقابة تتعلق بسلامته وجودته.

وتوجد قواعد تنظم استخدام المضادات الحيوية في الحيوانات المنتجة للألبان، كما توجد فترات سحب يجب الالتزام بها بعد استخدام بعض الأدوية، بحيث لا يتم طرح الحليب في الأسواق خلال الفترة التي يمكن أن تمثل فيها بقايا الدواء مشكلة.

لذلك، لا يصح التعامل مع جميع أنواع الحليب باعتبارها محملة بالمضادات الحيوية.

هل البسترة تقلل قيمة الحليب؟

ومن المعتقدات الشائعة أيضًا أن الحليب المبستر أو المعالج حراريًا يفقد قيمته الغذائية بالكامل.

وهذا غير صحيح؛ فالمعالجة الحرارية تهدف أساسًا إلى القضاء على الميكروبات الضارة وزيادة سلامة الحليب، ولا تعني فقدان جميع العناصر الغذائية.

ويظل الحليب مصدرًا للبروتين والكالسيوم والعناصر الغذائية الأخرى، مع إمكانية حدوث بعض التغيرات المحدودة في بعض الفيتامينات الحساسة للحرارة.

ماذا عن الحليب الخالي من اللاكتوز؟

لا يحتاج كل شخص يعاني من اضطرابات بعد تناول الحليب إلى الامتناع عنه تمامًا.

ففي حالة عدم تحمل اللاكتوز، وهي تختلف عن حساسية بروتين الحليب، يمكن لبعض الأشخاص تحمل كميات محدودة من الحليب، بينما قد يستفيد آخرون من استخدام الحليب الخالي من اللاكتوز.

كما توجد منتجات تحتوي على إنزيم «اللاكتاز» للمساعدة في هضم اللاكتوز لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص هذا الإنزيم، ويُفضل اختيارها وفقًا للحالة واستشارة الطبيب أو الصيدلي عند الحاجة.

أما حساسية بروتين الحليب فهي حالة مختلفة، وقد تستدعي تجنب الحليب ومنتجاته وفق تشخيص الطبيب، خصوصًا لدى الأطفال.

وماذا عن الحليب المصنع؟

يشدد الدكتور أحمد أبو الريش على أن الحليب المباع في الأسواق ليس بالضرورة أقل قيمة غذائية لمجرد خضوعه للتصنيع.

وتختلف القيمة الغذائية بحسب نوع المنتج وطريقة المعالجة والإضافات الموجودة فيه، لكن عمليات مثل البسترة لا تعني إزالة البروتين أو الكالسيوم من الحليب.

لذلك، عند اختيار الحليب، ينبغي قراءة البطاقة الغذائية والاهتمام بنسبة الدهون والسكر والإضافات، واختيار النوع الأنسب للعمر والحالة الصحية.

كوب الحليب.. ماذا يقدم؟

يحتوي كوب من الحليب بحجم يقارب 250 مل على كمية مهمة من البروتين والكالسيوم، لكن مقدار ما يغطيه من الاحتياجات اليومية يختلف باختلاف عمر الشخص واحتياجاته الغذائية.

ولهذا لا يمكن القول إن كوبًا واحدًا من الحليب يغطي نسبة ثابتة من احتياجات جميع الأطفال أو البالغين؛ فالاحتياجات تختلف حسب العمر والجنس والنمو والنشاط والحالة الصحية.

هل يجب على الجميع شرب الحليب؟

ويؤكد الدكتور أحمد أبو الريش أن الحليب ليس غذاءً إلزاميًا لكل شخص، فالأشخاص الذين لا يرغبون في تناوله يمكنهم الحصول على العناصر الغذائية الموجودة فيه من مصادر غذائية أخرى، مثل الزبادي والجبن، أو بعض البدائل النباتية المدعمة بالكالسيوم وفيتامين «د» والبروتين، بحسب نوع المنتج.

لكن في المقابل، لا توجد حاجة إلى الامتناع عن الحليب لمجرد انتشار معلومات على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم أنه «سم قاتل» أو أنه يؤدي حتمًا إلى هشاشة العظام.

والقاعدة الأهم في التغذية هي أن الحكم على أي طعام يجب أن يكون في ضوء الكمية، وطريقة تناوله، والحالة الصحية، وباقي مكونات النظام الغذائي.

أضف تعليق

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان